منتقد المنافع في شرح المختصر النافع - كتاب الطهارة - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ٤٧٠ - الأمر (الأوّل في موجباته)
بل صرّح به بعضهم، فقال: إنّ هذه الأمور ليست عللا حقيقيّة، بل هي معرّفات و علامات- ففيه منع هذا، حيث إنّ مرادنا بكونها أسبابا للوضوء أنّها علل لوجوبه يتوقّف عليها كتوقّف سائر المعلولات على عللها، كيف! و قد رأى الشارع في هذه الأمور ما يقتضي وجوب الوضوء و تعلّق التكليف به، و لذا جعلها أسبابا وضعيّة لم يلاحظ فيها التكليف و عدمه.
و الحاصل: أنّ وضع الشارع هذه الأمور أسبابا و جعلها موجبات إنّما كان بعد اقتضاء نفسها ذلك، و علّيّتها له في حدّ ذاتها في نفس الأمر و الواقع، فتكون عللا حقيقيّة واقعيّة، نظير علّيّة السمّ للأثر المترتّب عليه، و علّيّة النار لما يترتّب عليها، إلى غير ذلك.
فما تكرّر في ألسنة الأصحاب من كون هذه الأمور معرّفات و علامات إنّما نشأ من عقولهم الناقصة، حيث لا يرون ملازمة في نفس الأمر بين هذه الأمور و الوجوب و تعلّق التكليف. و أين هذا من العقل الكامل العارف صاحبه بحقائق الأشياء و خواصّها و تأثيراتها؟
فما المانع من كون هذه الأمور مقتضاها ما ذكر بحسب نفس الأمر، و لم يطّلع على ذلك سوى الشارع؟
نعم، لا نقول بإيجابها لنفس الوضوء، بل لوجوبه، فلا تمنع الملازمة الحقيقيّة، و لهذا القول المجمل تفصيل بيّنّاه في بعض رسائلنا الشريفة.
و إن أرادوا أنّ هذه الأمور ربما تتخلّف عن الإيجاب، فقد عرّفناك أنّ السبب قد يطلق على ما من شأنه التأثير، فيكون المراد بالموجب ما يوجب مطلقا و لو بالقوّة.
و لذا صرّح جماعة بأنّ المراد بالموجبات: هي الباعثة لخطاب المكلّف بالطهارة وجوبا أو ندبا لمشروط بها فعله أو كماله، أو لا للمشروط بها كذلك مطلقا و إن حدثت قبل التكليف.
و منه يظهر أنّ المراد بالموجب مطلق الباعث و إن كان متعلّقه مندوبا أيضا، فلا يلاحظ فيه المعنى الشرعي للإيجاب، أي الحتم و الإلزام.
و الحاصل: أنّ كلّ ما يوجب الطهارة لفعل يتوقّف أصله عليها كالصلاة، أو كماله كقراءة القرآن و نحوها، أو لا لفعل كذلك كما لو كانت الطهارة مطلوبة في نفسها مطلقا، واجبة كانت كما لو نذرها، أو مندوبة كما لو قصد بها الكون على الطهارة، موجب مطلقا، سواء كان تعلّق