الولاية الالهية الاسلامية او الحكومة الاسلامية - المؤمن القمي، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٨
و اخرى ذكرت المشاورة و الأمر بها في سورة آل عمران، قال اللّه تعالى خطابا للنبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه و آله: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[١] فهذه الآية المباركة قد تضمّنت أمر اللّه تعالى له صلّى اللّه عليه و آله بأن يشاور المؤمنين، و لا محالة تكون مشاورته في الامور الّتي بيده بمقتضى ولايته، فلذلك يمكن أن يستدلّ به لوجوب مشورة الوالي للأمّة، لكنّ الإنصاف أنّ دلالته على الوجوب غير تامّة، و ذلك أنّ هذه الآية- بحسب ما يستفاد من التفاسير- قد وردت ضمن الآيات الواردة في غزوة احد و بعد تمامها، و هذه الغزوة قد ابتليت ابتداء بعدم موافقة عبد اللّه بن ابيّ بالخروج لها خارج المدينة و لذلك لم يخرج هو و قومه فيها، كما أنّها قد انتهت بشهادة سبعين من المؤمنين و منهم حمزة سيّد الشهداء و بهزيمة جند الإسلام و وقوع ضربات عديدة شديدة على أمير المؤمنين عليه السّلام بل بوقوع جراحات على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إشاعة أنّه قد قتل، و قد نشر المنافقون اكذوبات كثيرة و لاموا المؤمنين و خلف الشهداء بها، ففي هذه الأرضية و الوضعية نزلت الآية المباركة.
فصدرها كما ترى تكريم و تحسين للين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عدم كونه غليظ القلب مع ذكر أنّ هذه الصفة الكريمة من مواهب اللّه عليه و أنّها الموجبة لاجتماع المسلمين حوله و عدم انفضاضهم.
و بعد ذكر هذه الصفة الكريمة و فائدتها عطف عليها و فرّع بفاء التفريع أمره بالعفو عنهم في ما فعلوه من السيّئات و بالاستغفار من اللّه لهم و بالمشاورة لهم، فهذه المشاورة مع هؤلاء الأشخاص هي كمال إكرام لهم من اللّه و من سيّد الأولياء و لعلّها كانت بهدف حصول الوفاق و الاتصال بعد تلك الحوادث، و لا عموم للآية يدلّ على وجوبها في جميع الموارد، بل لا يبعد أن ينكر ظهور الأمر في الوجوب
[١]-آل عمران: ١٥٩.