الولاية الالهية الاسلامية او الحكومة الاسلامية - المؤمن القمي، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٦
و حينئذ فربّما يتخيّل أنّه لم أمتنع هذا الامتناع الأكيد؟! و أنّه كيف يجتمع امتناعه هذا مع فعلية ولايته شرعا و وجوب إقدامه بتولّي الأمر؟!
لكنّك بالتأمّل فيما مضى تعرف جواب هذه الشبهة و الخيال فإنّ الآفاق قد اغيمت و المحجّة قد تنكّرت و أصحاب الأهواء قد اعتادوا الخلاف و هم بصدد تضعيف حكومة مثله ممّن لا ينظر إلّا إلى الحقّ و سواء السبيل، بل إنّ كثيرا من عامّة الناس أيضا يصعب عليهم تحمّل العدل الدقيق العلوي صلوات اللّه عليه و لذلك فبعد التصدّي للولاية قاموا في قباله حتّى مضت عليه شدائد أليمة و بالنهاية انجرّ الأمر إلى شهادته و إلى غصب الولاية بيد مثل معاوية و ما ترتّب عليه.
٦- و منها قوله عليه السّلام في الخطبة الشقشقية في مقام بيان البيعة له على الولاية و سرّ قبولها: إلى أن انتكث عليه [يعني على عثمان] فتله و أجهز عليه عمله و كبت به بطنته، فما راحني إلّا و الناس إرسالا إليّ كعرف الضبع ينثالون عليّ من كلّ وجه و جانب يسألوني البيعة، حتّى لقد وطئ الحسنان و شقّ عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة و مرقت اخرى و فسقت شرذمة و قسط آخرون ... أمّا و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود الناصر و ما اختار اللّه تعالى على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أوّلها و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز[١].
فصدر المقال قد حكى إجمالا تتابع الناس و اجتماعهم الشديد الأكيد على البيعة له ثمّ حكى تخلّف ذوي الأهواء المختلفة، و في آخره ذكر قيامه بتصدّي الولاية و إنّ سرّه حضور جمع ناصر كاف قامت بهم الحجّة عليه عليه السّلام، فإنّ اللّه تعالى أوجب على علماء الدين و الأئمّة الهداة المهديّين عليهم السّلام أن لا يقارّوا في محلّ و هم يرون شدّة ظلم الظالمين و عظم مظلومية المظلومين فإذا حضر جمع يؤدّون قدرتهم
[١]-نهج البلاغة: الخطبة ٣، تمام نهج البلاغة: الخطبة ٢٣ ص ٣٠٨- ٣٠٩.