الولاية الالهية الاسلامية او الحكومة الاسلامية - المؤمن القمي، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦١
فمن الكتاب الشريف يمكن أن يستدلّ له بآيتين، إحداهما: قوله تعالى خطابا لداود النبيّ على نبيّنا و آله و عليه السلام: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...[١].
تقريب الاستدلال: أنّه تعالى قد حكم أوّلا على داود أنّه خليفة في الأرض و أنّه تعالى جعله خليفة، و ظاهره أنّه جعله خليفة لنفسه في الأرض ثمّ فرّع على ذلك بالفاء بقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنّ عليه أن يحكم بين الناس، و الحكم هو القضاء بينهم فيما اختلفوا و تخاصموا فيه فيدلّ على أنّ من فروع خلافة اللّه هو القضاء بين الناس، هذا من ناحية. و من ناحية اخرى قد عرفت أنّ أولياء أمر الامّة الإسلامية قد جعل اللّه لهم هذه المنزلة و مرتبة الولاية فلا محالة أنّهم أيضا خلفاء اللّه في الأرض، و عليه فيتفرّع على كونهم خليفة أنّ عليهم أيضا أن يحكموا و يقضوا بين الناس و الامّة الّذين هم خليفة اللّه فيهم و عليهم.
لكنّ الإنصاف عدم تماميّة دلالة هذه الآية، و ذلك أنّا لا نسلّم أنّ المتفرّع في كلامه تعالى على كونه خليفة نفس وجوب تصدّيه بل لا يبعد أن تكون العناية فيه إلى لزوم أن يكون الحكم حكما بالحقّ، بمعنى أنّه كما أنّ اللّه الّذي جعله خليفة لا يحكم إلّا بالحقّ فإذا كان أحد خليفة له فعليه أيضا بمقتضى هذه الخلافة أن لا يحكم إلّا بالحقّ و يشهد لإرادة هذه الجهة ما بعد هذه الفقرة، أعني قوله تعالى: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ. و من المعلوم أنّ اتّباع الهوى يدعو إلى الحكم بما يميل إليه الأميال و الأهواء الشخصية النفسية لأغراض غير إلهيّة و عليه فلم يجعل من فروع الخلافة إلّا وجوب أن يكون حكم الخليفة بالحقّ، و هو لا ينافي أن لا يكون نفس أمر القضاء من حقوق الخليفة و اختصاصاته بل يجتمع مع أن يصحّ لغير الخليفة أيضا القضاء إلّا أنّ الخلافة يلزمها أن لا يكون قضاء الخليفة إلّا بالحقّ، فلا دلالة في هذه الآية.
[١]-ص: ٢٦.