شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٥ - باب فى تنقل احوال القلب
الشيطان فيرغّبكم فى الدّنيا و اللّه لو تدومون على الحالة الّتي وصفتم أنفسكم بها
بل متصف بصفة الغفلة دائما و بينهما بون بعيد، و ينبغى أن يعلم أن قلب المؤمن فى الحقيقة عرش الرحمن يطوف به قوافل واردات الحق و الهاماته و يشرق فيه لوامع أنواره و طوالع أسراره و لذلك يجب تطهيره عن أدناس التعلقات و أرجاس الشهوات و قد قيل: له بابان باب شرقى ايمن مفتوح الى مشرق نور الحق و حظيرة القدس يطلع من ذلك الباب شوارق الالطاف الربوبية و المواعظ اللاهوتية و باب غربى أيسر الى مغرب الجسد و الاعضاء و منه يظهر آثار تلك الشوارق و المواعظ الى الاعضاء فتخضع بالاعمال الصالحة تواضعا و يسهل القلب عند ذلك و يتم النعمة ظاهرة و باطنة و كثيرا ما يتصرف فيه الشيطان و يلقى إليه من باب الغربى كذبا و زورا و يوحى إليه زخرف القول غرورا، فيميله الى الدنيا و يحدث فيه صداء و رينا فان استيقظ من نداء الغيب و دعوة أهل الحق و نصحه و استغفر زال عنه و ان استمر يسرى ذلك من الباب الشرقى الى عالم القدس و يمنع الواردات اللاهوتية و الانوار الربوبية فيسود لوح القلب و يصدر من الجوارح أعمال قبيحة و مظلمة تنعكس ظلمتها إليه فينطمس نوره بريح الشهوات و تراكم الظلمات ظلمات بعضها فوق بعض فلا يقبل الحق أبدا. ثم أشار (ص) الى أن الحالة الاولى حالة حسنة شريفة و الدوام عليها يوجب التشبه بالملائكة و الوصول الى مقامات عالية و الى أن الحالة الثانية و التعرض للذنب و الاستغفار بعده أيضا لا تخلو من حكمة إلهية و مصلحة ربانية بقوله:
(و اللّه لو تدومون على الحالة التى وصفتم أنفسكم لصافحتكم الملائكة و مشيتم على الماء)
(١) هذا الخطاب حق و صدق لان المانع من ذلك انما هو الكدورات الجسمية و التعلقات البشرية و الاوزار النفسانية و الوساوس الشيطانية و الميل الى الزهرات الدنيوية و اللذات الفانية، فاذا زالت عن العبد تلك الموانع دائما يصير نورا صرفا و روحا محضا و يتصف بصفات الملائكة و يلتحق بالروحانيين و يصافحهم و يكون معهم و يمشى على الماء مثلهم، و ان شئت توضيح ذلك فنقول: ان للروح الانسانى منازل فى السير الى اللّه أولها المحسوسات و ثانيها المتخيلات و ثالثها الموهومات و رابعها المعقولات و هو فى هذا المنزل يمتاز عن سائر الحيوانات و يرى فيه ما هو خارج عن عالم الحس و الخيال و الوهم و يعلم روح الاشياء و حقائقها و له عرض عريض و له أول عالم الانسان و آخر عالم الملائكة بل فوقه و هو معراج الانسان و أعلى عليين له كما أن الثلاثة الاول أسفل السافلين له و أعظم أسباب معراجه قطع التعلق عن الدنيا و الاعراض عنها بالكلية، ثم الدوام على هذه الحالة فانه يوجب الوصول الى حالة شريفة هى مرتبة عين اليقين و له فى تلك المرتبة قدرة على افعال غريبة [١] و
[١] قوله «و له فى تلك المرتبة قدرة على أفعال غريبة» أورد المجلسى (رحمه اللّه)