جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٦٦ - كيفيّة تنجّس ماء البئر
..........
و لا يخلو من تأمّل؛ لأنّه راجع في الحقيقة إلى تعارض ما دلّ على التقدير و لو نزح الجميع مع هذه الرواية المكتفية بزوال التغيير، و لعلّ التعارض بينهما من وجه. أو يقال بتحكيم ما دلّ على التقدير لخصوصه على وجه. و كيف كان، فلا ينافي القول بالنجاسة، و لا دلالة فيه على الطهارة.
و ما في الاستبصار من أنّ المراد بالرواية: «أنّه لا يفسده شيء إفساداً لا يجوز الانتفاع بشيء منه إلّا بعد نزح جميعه إلّا ما يغيّره، فأمّا إذا لم يتغيّر فإنّه ينزح منه مقدار و ينتفع بالباقي» [١] غريب:
أمّا أوّلًا، ففيه: أنّه لا معنى لتخصيص التغيّر بالإفساد الذي لا يجوز الانتفاع بشيء منه إلّا بعد نزح جميعه، فإنّ صبّ الخمر و المني و أحد الدماء الثلاثة و البعير و غيرها كلّها من ذلك القبيل، كما أنّه قد يجوز الانتفاع بشيء منه بدون نزح الجميع مع التغيّر، في صورة لا يتوقّف زوال التغيير على نزح الجميع بمقتضى هذه الرواية.
و أمّا ثانياً: فإنّ هذا التقدير و الإضمار- المشتمل على التخصيص الذي مآله إلى الالغاز الغير القابل لأن يخاطب به من أراد تفهيم السامع- ممّا لا يجوز ارتكابه من غير دليل و قرينة عليه، نعم ربّما يرتكب [ذلك] في مثل بعض الأخبار التي أعرض عنها الأصحاب و قوي فيها المعارض إخراجاً عن صورة المخالفة، لا في مثل ما نحن فيه. و قد عرفت أنّ الرواية قد اشتملت على ضروب من الدلالة.
و الطعن فيها بالمكاتبة، ضعيف؛ لحجّية المكاتبة، و لذلك أسنده إلى الإمام (عليه السلام) فقال: «قال» و الظاهر أنّ مراده الإمام (عليه السلام)، على أنّه نقلت بطريقين أحدهما فيه: «كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) ... إلى آخره» [٢]، فقد يكون هذا الراوي سمع ذلك تارة مشافهة و اخرى مكاتبة.
و ما يقال: إنّ هذه الرواية عامّة، و ما دلّ على النجاسة بالأشياء الخاصّة خاص فيقدّم عليه، في غاية الضعف:
أمّا أوّلًا: فإنّه على القول بالنجاسة يكون التخصيص مستغرقاً للعام؛ إذ لا شيء من النجاسات لا تنجّسه على مختارهم.
و ثانياً: أنّه إن قصد بما دلّ على النجاسة أخبار النزح، ففيه: أنّه لا دلالة فيه، إذ ليس منحصراً وجهه في ذلك؛ لاحتمال التعبّد كما يدّعيه بعضهم [٣]، و احتمال أن يكون ذلك لطيب الماء و زوال النفرة الحاصلة من وقوع تلك الأعيان. و إن أراد غيرها ممّا قدّمنا ذكره في أدلّة النجاسة، ففيه: أنّ شرط التخصيص المقاومة، و هي مفقودة لوجوه لعلّك تسمع بعضها إن شاء اللّٰه تعالى. و ما يقال أيضاً: إنّ ظاهر الرواية متروك؛ لحصول النجاسة بالتغيّر اللوني، ففيه: أنّه- على تقدير تسليم أنّ ما في الرواية لا يدلّ عليه- لا يخرجها عن الحجّية، كما هو مقرّر في محلّه.
٦- و صحيحة علي بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن بئر ماء وقع فيه زبيل من عذرة يابسة أو رطبة، أو زبيل [٤] من سرقين، أ يصلح الوضوء منها؟ قال: «لا بأس» ٥، و وجه الدلالة واضح.
[١] الاستبصار ١: ٣٣، ذيل الحديث ٨٧.
[٢] ٢، ٥ الوسائل ١: ١٧٢، ب ١٤ من الماء المطلق، ح ٧، ح ٨.
[٣] المنتهى ١: ٦٨.
[٤] الزبيل: المكتل. مجمع البحرين ٥: ٣٨٦.