جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٧ - ١- تطهير القليل بإلقاء الكرّ
..........
و قد ناقشهم بعض المتأخرين [١] بحصول التدافع بين الحكمين [في ماء واحد] فإنّه متى كان وصل الغديرين بساقية قاضياً باتّحادهما في القسم الأوّل [و هو الامتزاج] يلزمهم الاعتراف به في القسم الثاني [و هو المماسّة]؛ إذ الموجب لذلك كونهما ماء، و النجاسة لا تخرجه عن المائية الموجبة للاتّحاد في الصورة الاولى.
قلت: لعلّ كلامهم هنا مؤيّد لما ذكرنا سابقاً من المناقشة في تلك الملازمة، أي بين الوحدة و حصول الطهارة، و أنّه لا مانع من كون الماء الواحد بعضه طاهراً و بعضه نجساً.
فإن قلت: تعليلهم بالتمييز قاضٍ بعدم الوحدة، فيحصل التدافع حينئذٍ. قلت: هو غير قاضٍ بذلك، بل مقصودهم عدم حصول الامتزاج، و أنّهما متميّزان و إن كان الرائي غير العالم بحالهما يحسبهما ماء واحداً غير متميّز أحدهما عن الآخر، فليس المقصود من هذا التعليل عدم حصول الاتّحاد. و ممّا يؤيّد ذلك أنّ الشهيد الثاني نقل عنه في الروض [٢] أنّه صرّح بالاتّحاد، و مع ذلك حكم بعدم حصول الطهارة؛ لكون الامتزاج شرطاً و لم يحصل.
و كأنّ مستندهم في ذلك الاستصحاب و التميّز المقتضي لاختصاص كلٍّ بحكمه. و قد يستدلّ لهم أيضاً:
١- بأنّه حيث يكون طاهراً و وصل دخل تحت قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ ... إلى آخره» [٣]، بخلاف ما إذا كان نجساً؛ لاشتراط كون ذلك الماء طاهراً، و إلّا لم يكن وجه لقوله: «لم ينجّسه شيء» ٤. نعم، على رواية «لم يحمل خبثاً» [٥] ربّما يكون داخلًا، لكن لا نقول بمقتضاها، كما ستعرف عند قوله: «و لا يطهر بإتمامه كرّاً».
٢- و بأنّ المعروف من الماء المطهّر حيث يطهِّر أن يداخل المطهَّر و يتخلّل في أجزائه و يجري عليه حيث يكون جسماً قابلًا لذلك، و إلّا فلا معنى للقول بطهارة الطرف البعيد المتناهي في البعد بمجرّد ملاقاته لأوّل أجزاء الطرف الآخر. و القول إنّ الأجزاء الملاقية طهرت بالملاقاة و هي طهّرت غيرها للملاقاة و الامتزاج و هكذا، خيال حكمي لا يصلح أن يكون مستنداً للحكم الشرعي من غير دليل، على أنّه مبنيّ على السراية، و هي مخالفة للأصل في وجه.
و كأنّه لذلك ظهر من بعض المتأخرين [٦] أنّه لا يحصل الطهارة إلّا مع استهلاك الماء النجس في الماء الطاهر و اضمحلاله، بأن يكون الماء الكثير أوسع سطحاً من الماء القليل و نحو ذلك، فالمدار حينئذٍ حصول الامتزاج على وجه يستهلك الماء النجس في جنب الماء الطاهر و يضمحل.
و ربّما ايّد هذا الوجه بما نقل عن صاحب المعالم من التحقيق: بأنّه «لمّا دلّ النصّ و الإجماع على أنّ وقوع النجاسة في الكثير لا تمنع من استعماله و لا تؤثّر فيه تنجيساً و إن كثرت ما لم يتغيّر بها لاستهلاكها فيه و اضمحلالها في جنبه، فيدلّ بمفهوم الموافقة على أنّ الماء النجس بهذه المثابة، فإذا وقع الماء عليه و صار مستهلكاً فيه بحيث شاعت أجزاؤه و لم يتميّز وجب الحكم بطهارته» [٧]. و الظاهر أنّ مراده بالاستهلاك امتزاج الجميع بالجميع، لا من جهة القلّة و الكثرة.
[١] الحدائق ١: ٣٣٤.
[٢] الروض: ١٣٨.
[٣] ٣، ٤ الوسائل ١: ١٥٨، ب ٩ من الماء المطلق، ح ١، ٥، ٦.
[٥] المستدرك ١: ١٩٨، ب ٩ من الماء المطلق، ح ٦.
[٦] الحدائق ١: ٣٣٦.
[٧] المعالم ١: ١٥٣.