جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٥ - الثالث إذا لم يقدّر للنجاسة
..........
و ما اختاره المصنّف من وجوب نزح الجميع لفاقد النصّ هو الأقوى استصحاباً للنجاسة.
و القول بأنّ البئر لا تنجس إلّا بالنجاسات المذكورة في كلام الشارع التي وجب النزح لها؛ لأنّ العمدة في النجاسة أوامر النزح، لا وجه له؛ لما علمت سابقاً أنّ البئر عند أهل هذا القول تنجس بكلّ شيء. و العمدة في ذلك الإجماعات المنقولة [١] و استفادتهم من هذه الروايات أنّ البئر قابلة للنجاسة بكلّ نجاسة.
لا يقال: إنّ أصالة البراءة من وجوب نزح الجميع قاضية بعكس ما ذكرتم، كما قيل ذلك عند الشكّ من تعارض الأدلّة في وجوب الغسل من البول مثلًا مرّة أو مرّتين أو أزيد.
لأنّا نقول:
أوّلًا:
الاستصحاب قاطع لأصل البراءة، و بناء الفقه من أوّله إلى آخره عليه، بل الظاهر تحكيمه على العام إذا كان- أي الاستصحاب- خاصّاً، و قد أشار إلى ذلك بعض الفضلاء من علمائنا أنّ العام و إن كان كتاباً يحكم عليه الخاص و إن كان استصحاباً.
و ثانياً:
لا معنى لخصوص التمسّك به [البراءة] هنا؛ إذ لا طريق آخر غيره. و الفرق بين ما ذكره و بين ما نحن فيه: أنّ ما ذكره قد تعارضت فيه الأدلّة، فيمكن حينئذٍ أن يقال: الأصل براءة الذمّة من الزائد، و يبقى ما دلّ على التطهير بالأقلّ سالماً.
و في الحقيقة هذا نوع من ترجيح دليل الاتّحاد من جهة الاعتضاد بأصل البراءة، فيكون الدليل مع أصالة البراءة قاطعاً للاستصحاب، بخلاف ما نحن فيه، فإنّه لا أدلّة متعارضة، و أصالة البراءة لا تثبت حكماً شرعياً حتى يقال بالتطهير بمقدار مخصوص.
و أمّا الاكتفاء بالتراوح عند تعذّر نزح الجميع؛ فللخبرين المتقدّمين [٢] [أي خبر عمّار عن الصادق (عليه السلام) [٣] و المرسل عن الرضا (عليه السلام) [٤]].
لا يقال: إنّ ذلك فيما قدّر له الجميع لا فيما ينزح له الجميع للمقدّمة، فإنّه لا يقطع بحصول الطهارة إلّا بنزح الجميع و إن احتاج إلى أيام، و إلّا تعطّلت البئر.
لأنّا نقول:
أوّلًا: الظاهر أنّه يفهم من الروايتين السابقتين قيام التراوح مقام نزح الجميع في نفسه، و لذلك لم يقدح كون المسئول عنه في الخبر لا ينزح له الجميع، لأنّهم فهموا منه أنّ ذلك ضابط لما ينزح له الجميع حيث يعسر، كما نقلوا عليه الاتّفاق سابقاً، فتذكّر و تأمّل.
[١] الغنية: ٤٩.
[٢] تقدّم في ص ١٨٢، ١٨٣.
[٣] الوسائل ١: ١٩٦، ب ٢٣ من الماء المطلق، ح ١.
[٤] المستدرك ١: ٢٠٧، ب ٢٢ من الماء المطلق، ح ٣.