جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦١٣ - المسألة الرابعة ما يجزي في الغسل
..........
و في الذكرى: «أنّ أهل اللغة يقولون: دهن المطر الأرض إذا بلّها بللًا يسيراً» [١].
و قد تحمل الروايات عليه، و ليس فيها ما ينافي ذلك، فمنها: قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم: «إنّما الوضوء حدّ من حدود اللّٰه تعالى ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه، و أنّ المؤمن لا ينجّسه شيء، إنّما يكفيه مثل الدهن» [٢]. و [منها]:
قوله (عليه السلام) في رواية محمّد بن مسلم: «يأخذ أحدكم الراحة من الدهن، و الماء أوسع من ذلك» [٣]. و [منها]: قوله (عليه السلام) في الغسل و الوضوء: «و يجزي منه ما أجرى من الدهن الذي يبلّ الجسد» [٤]. بل الرواية الأخيرة كادت تكون كالصريحة فيما ذكرنا من التأويل [و هو ما كان بإجراء المكلّف].
و كأنّ هذه الأخبار [أي أخبار الدهن] يراد منها المبالغة في عدم احتياج الوضوء إلى ماء كثير، و أنّه لا ينبغي الإسراف فيه زيادة على الإسباغ.
و كون هذه الأخبار حينئذٍ لم تفد لنا حكماً جديداً، يدفعه: مع أنّه ليس في ذلك بأس قد يقال: لو لا هذه الأخبار لأمكن القول بعدم إجزاء مثل هذا الفرد [الذي هو مثل الدهن] من الغسل؛ لكونه من المطلق الذي ينصرف إلى الفرد الشائع منه، و ليس منه ذلك قطعاً، بل كأنّ ملاحظة الوضوءات البيانيّة و نحوها ممّا يشرف الفقيه إلى القطع بعدم جوازه [الدهن]، فيكون هذه الروايات أفادت الاكتفاء بأقلّ أفراد مسمّى الغسل الذي هو كالدهن.
و احتمال القول ببقاء الدهن فيها على حقيقته، لكن العرف في ذلك الزمان غيره في هذا الزمان في غاية البعد جدّاً، بل لا ينبغي أن يلتفت إليه؛ إذ المرتضى (رحمه الله) في زمنه ادّعى أخذ الجريان في مفهومه [٥] [الغسل]، و هو قريب من زمانهم (عليهم السلام)، ك[بعد] حملها على إرادة الاجتزاء بمثل الدهن عند الضرورة، و أنّه يقدّم على التيمّم. و قد يظهر ذلك من كلام الشيخين [٦] في باب غسل الجنابة، سيّما المفيد في المقنعة؛ إذ هو بعيد جدّاً من مضامين تلك الروايات؛ لظهور كثير منها [في] إرادة الاجتزاء بها في الاختيار.
و ربّما ايّد ما ذكراه [الشيخان] بما قيل من صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام) حيث سأله عن الرجل الجنب أو على غير الوضوء لا يكون معه ماء و هو يصيب ثلجاً و صعيداً، أيّهما أفضل أ يتيمّم أو يمسح بالثلج؟ قال: «الثلج إذا بلّ جسده و رأسه أفضل، و إن لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمّم» [٧]. قيل [٨]: و نحوها رواية معاوية بن شريح [٩].
و فيه:- مع اشتماله على خلاف المدّعى من التخيير بينه [مثل الدهن] و بين التيمّم عند الضرورة- أنّه يحتمل أن يريد المسح مع الجريان. و الأفضلية [أي أفضليّته من التيمّم] إمّا في ضمن الوجوب، أو للمشقة التي تجوّز التيمّم.
[١] الذكرى ٢: ١٢٩.
[٢] الوسائل ١: ٤٨٤، ب ٥٢ من الوضوء، ح ١.
[٣] الوسائل ١: ٣٩١، ب ١٥ من الوضوء، ح ٧، مع اختلاف يسير.
[٤] الوسائل ١: ٤٨٥، ب ٥٢ من الوضوء، ح ٥، و فيه: «ما أجزأ» بدل «ما أجرى».
[٥] الناصريات: ١٤٥- ١٤٦.
[٦] المقنعة: ٥٣. النهاية: ٢٢.
[٧] الوسائل ٣: ٣٥٧، ب ١٠ من التيمّم، ح ٣، مع اختلاف يسير.
[٨] الحدائق ٢: ٢٢٥.
[٩] الوسائل ٣: ٣٥٧، ب ١٠ من التيمّم، ح ٢.