جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٠٤ - المسألة الثالثة الفرض في الغسلات
..........
و كذا ما يظهر من صاحب المدارك من حمله رواية الاثنين على نهاية الجواز [١]؛ إذ هو- مع عدم جريانه في كثير ممّا سمعت أيضاً- منافٍ لاعتبار الرجحان في جزء العبادة. اللّهمّ إلّا أن يدّعى أنّه [الغسل الثاني] رخصة من الشارع، و ليس جزء عبادة. و هو في غاية البعد؛ لاستلزامه تخصيص ما دلّ على المسح بماء الوضوء و غيره بذلك.
و كذا ما ذكره بعضهم [٢] من حمل أخبار التثنية على الغرفتين، و أخبار المرّة على الغسلة، فيكون المستحب الغسلة الواحدة بغرفتين. و ادّعى أنّه بذلك تتّجه الأخبار. و استدلّ عليه بحديث زرارة و بكير، قلنا: أصلحك اللّٰه تعالى فالغرفة الواحدة تجزي للوجه، و غرفة للذراع؟ فقال (عليه السلام): «نعم، و اثنتان تأتيان على ذلك كلّه» [٣].
و فيه:- مع مخالفته أيضاً لكثير من الوضوءات البيانيّة، و عدم إمكان جريانه في نحو رواية داود بن زربي و مكاتبة عليّ بن يقطين و غيرهما- أنّه تحكّم في الأخبار، و حمل لها على ما تشتهي النفس من غير مرشد. و ما ذكره من الخبر لا إشعار فيه بذلك، فضلًا عن الظهور، فتأمّل.
و ليقض العجب ممّا في الحدائق من اختياره حرمة الثانية و أنّها تشريع، و جمعه بين الروايات بأنّ مدارها جميعاً على استحباب الإسباغ، أي الإتيان بالغسل الواجب بماء كثير، فيكون المجزي منه ما كان مثل الدهن [٤]. و المستحب ما اشتمل على الإسباغ و هو يحصل إمّا بغرفة واحدة ملء الكفّ مع البلاغة فيها، أو يحصل بغرفتين بدون المبالغة.
و جمع بذلك بين جميع الروايات حتى الوضوءات البيانيّة [٥]؛ إذ هو- مع أنّه منافٍ للإجماع من جواز الثانية و أنّها ليست بمحرّمة. و ما ادّعاه من حمل كلام الصدوق عليه و الكليني قد عرفت أنّه لا صراحة فيهما بذلك سيّما الثاني، بل و الأوّل أيضاً؛ لما عنه في الأمالي أنّه نسب الجواز إلى اعتقاد الإمامية [٦]- لا يتّجه بالنسبة إلى رواية داود بن زربي و لا رواية عليّ بن يقطين؛ لكونهما كالصريحتين في إرادة الغسل، بل و كذا غيرهما كخبر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) المتقدّم سابقاً [٧].
و نحوه ما صدر من بعض متأخّري المتأخّرين [٨] ممّا ينافي بظاهره الجمع. و منشؤه سوء الطريقة و الإعراض عن كلمات أصحابنا الماهرين الذين هم أعلم بمضامين أخبار الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، و إلّا فلولاه لأمكن الجمع بين الروايات بامور اخر، منها:
أن يقال: إنّ المستحب الغسلة الواحدة فمن غسل مرّتين كان ناقص الأجر، على معنى أنّ للمستحب فردين، أشقهما أقلّهما ثواباً، كما يشعر به خبر البزنطي المتقدّم سابقاً. و غير ذلك من الوجوه، و اللّٰه أعلم.
[١] المدارك ١: ٢٣٣.
[٢] الوافي ٦: ٣٢٢.
[٣] الوسائل ١: ٣٨٩، ب ١٥ من الوضوء، ح ٣، و فيه: «نعم إذا بالغت فيها و الثنتان ...».
[٤] الحدائق ٢: ٣٢٠.
[٥] الحدائق ٢: ٣٣٨- ٣٤٢.
[٦] تقدّم ص ٦٠١.
[٧] تقدّم في ص ٥٩٩.
[٨] المشارق: ١٣٤.