جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٠٣ - المسألة الثالثة الفرض في الغسلات
..........
أمّا ما دلّ على أنّه ما كان وضوء رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ (عليه السلام) إلّا مرّة مرّة:
١- فلعلّ المراد بها الغُرفة. ٢- أو أنّ استحباب الغسل بالنسبة إلى غيرهم [(عليهم السلام)]، كما يشعر بذلك الخبر: أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) وضع الثانية لضعف الناس [١]. و كأنّ وجهه ما نقل عن ابن أبي عقيل أنّ «الاثنتين سُنّة لئلّا يكون قد قصّر المتوضّئ في المرّة فتأتي الثانية على تقصيره» [٢]. و هم [(عليهم السلام)] منزّهون عن احتمال ذلك، فيكون الاستحباب بالنسبة إلى غيرهم. ٣- على أنّه معارض بما سمعت في خبر عمرو بن أبي المقدام: أنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) توضّأ اثنتين اثنتين [٣]. و حمله على إرادة التجديد- كما سمعته من الفقيه- في غاية البعد؛ لتكرّر لفظ «اثنتين» مرّتين. مع أنّ كون التجديد ليس منحصراً في واحدة، بل متى قام احتمال الحدث مثلًا، أو طال زمان، استحب التجديد. مع أنّ الراغب عن التجديد غير مأنوس حتى تكون الرواية تعريضاً به.
و من هنا تعرف ما في حمل الأخبار الاخر الدالّة على أنّ الوضوء مثنى مثنى على التجديد أيضاً، خصوصاً مع اشتمال بعضها على قوله (عليه السلام): «و من زاد فلا أجر له» [٤].
فالأوجه الجمع بين هذه الرواية و رواية المرّة بأنّ عادته (عليه السلام) كانت المرّة؛ لكون الثانية مستحبة بالنسبة إلى غيره، إلّا أنّه اتّفق له فعلها يوماً من الأيام لغرض من الأغراض الصحيحة، كعدم تنفّر الناس عنها بتركها و نحوه، فتكون مستحبة بالنسبة إليه بالعارض. و أمّا ما دلّ على عدم الأجر بالثنتين كما في مرسل ابن أبي عمير و غيره، فقد يكون المراد منه أنّ من لم يستيقن أنّ الواحدة تجزيه لا أجر له على الثانية، بمعنى يحبط اللّٰه أجره عليها، كما يومئ إليه خبر عبد اللّه بن بكير المتقدّم [٥]. بل لعلّه مقتضى الجمع بين المطلق و المقيّد.
إذا عرفت ذلك كلّه علمت أنّ المتّجه ما عليه الأصحاب من حمل الغسلة الاولى على الوجوب، و حمل الثانية على الاستحباب. و ما عن بعض المتأخّرين من حمل روايات «مثنى مثنى» على التقيّة- مدّعياً أنّ العامّة تنكر الوحدة، و تروي في أخبارهم التثنية [٦]- ضعيف. و هو- مع عدم إمكان جريانه في جميع ما سمعت من الأخبار، بل قد يظهر من رواية داود بن زربي و مكاتبة عليّ بن يقطين ٧ أنّ المعروف عندهم التثليث لا التثنية، و أنّ في بعضها: «من زاد فلا أجر له» ممّا لا يقولون به- ليس بأولى ممّا ذكره الأصحاب. و كذا ما نقل عن بعضهم من أنّ المراد بقوله (عليه السلام): «مثنى مثنى»، أي غسلتان و مسحتان [٨]. و كأنّ الذي دعاه إلى ذلك ما في بعضها أنّ الصادق (عليه السلام) قال: «الوضوء مثنى، من زاد لم يؤجر عليه، و حكى لنا وضوء رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) فغسل وجهه مرّة واحدة، و ذراعيه مرّة واحدة ... إلى آخره» [٩].
[و ذلك]: لظهور المنافاة بين حكايته [الدالّة على المرّة]، و قوله: [الدال على المرّتين]، فلا بدّ من حمل التثنية على ذلك [على الغسلتين و المسحتين] حتى يحصل الاتّفاق. لما فيه:- مع عدم إمكان جريانه في كثير ممّا تقدّم من الأدلّة- أنّه محتاج إلى التجوّز بجعل اليدين عضواً واحداً، و كذا الرجلين حتى تحصل الاثنينية.
[١] الوسائل ١: ٤٤٣، ب ٣٢ من الوضوء، ح ٢، نقلًا بالمعنى.
[٢] نقله في المختلف ١: ٢٨٥.
[٣] الوسائل ١: ٤٣٩، ب ٣١ من الوضوء، ح ١٦.
[٤] المصدر السابق: ٤٤١، ح ٢٧ نقلًا بالمعنى.
[٥] ٥، ٧ تقدّم في ص ٥٩٩، ٥٩٩- ٦٠٠.
[٦] منتقى الجمان ١: ١٤٨.
[٨] الحبل المتين: ٢٤.
[٩] الوسائل ١: ٤٣٦، ب ٣١ من الوضوء، ح ٥، و فيه: «مثنى مثنى».