جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧١ - كيفيّة تنجّس ماء البئر
..........
و أمّا الرواية الثالثة [ «إذا أتيت البئر و أنت جنب ...»]، فأوّلًا: أنّ الأمر بالتيمّم لا دلالة فيه على التنجيس بالاغتسال، فإنّه لا ينحصر وجهه في ذلك؛ إذ قد يكون البئر كانت مملوكة أو كان في الاغتسال فيها عسر و حرج و مشقة. و ربّما يؤيّد ذلك ما في رواية الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يمرّ بالركية و ليس معه [إناء] [١]؟ قال: «ليس عليه أن ينزل الركية، إنّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد، فليتيمّم» [٢]. [و ثانياً]: مع أنّه لا تعرّض فيه للنجاسة، و قوله (عليه السلام): «لا تفسد على القوم ماءهم» لا دلالة فيه على ذلك:
أ- فقد يكون المراد من جهة خوف الهلاك فيها [في البئر].
ب- أو أنّه يهيج ما كان كامناً فيها من الأوساخ.
جبل غير بعيد أنّها على فرض كونها مباحة و كانت مستقى للناس، و كان بالاغتسال فيها يهيج بعض ما كان كامناً فيها، أن لا يسوغ له الاغتسال فيها؛ لكون ذلك حقّاً مشتركاً، فيجوز له استعماله ما لم يدخل في ذلك فيه ضرر على غيره، لا سيّما إذا كان المقصود منها الاستقاء.
د- على أنّه قد يكون المراد من جهة وجوب النزح لا من جهة النجاسة.
هعلى أنّه لم يعلم أنّه كانت على بدنه نجاسة.
فإن قلت: إنّ الإفساد كما ورد في هذه الرواية وجد في روايات التنجيس، فأيّ معنى لحمله هناك له على النجاسة بخلافه هنا؟!
قلت: هو- مع أنّه في نفسه هناك ظاهر في ذلك- قد يشعر به [بإرادة النجاسة] الاستثناء [ «لا يفسده شيء إلّا أنّ يتغيّر»] و وقوع «شيء» في سياق النفي، بخلافه هنا.
و- على أنّه كيف يسوغ لفقيه الاجتراء على طرح تلك الأخبار الكثيرة الصحيحة الصريحة المخالفة للعامّة، الموافقة للُاصول، المرجَّحة بما سمعته من المرجّحات؛ بمثل هذه الإشعارات التي لا يجترئ منها على أن يقطع بها أضعف الاصول؟!
و أمّا الرواية الرابعة [ «قلنا له: بئر ...»]، فلا دلالة فيها [على النجاسة]، و سيأتي التعرّض لها إن شاء اللّٰه عند [بيان مقدار] التباعد بين البئر و البالوعة. نعم، أقوى شيء لهم الإجماعات المنقولة، و هي:
١- مع كون المخالف موجوداً و من القدماء أيضاً.
٢- و إطباق متأخّري المتأخّرين على ذلك.
٣- مع مخالفتها لما سمعت من الأخبار.
٤- يضعف الظنّ بها؛ لقوة الأخبار عليها من وجوه.
٥- على أنّ العلّامة في المنتهى [٣] يظهر منه المناقشة في نسبته إلى الأكثر، فضلًا عن الإجماع، فتأمّل.
[١] في المصدر: «دلو».
[٢] الوسائل ٣: ٣٤٤، ب ٣ من التيمّم، ح ٤، و فيه: «هو ربّ الأرض».
[٣] المنتهى ١: ٦٧.