جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨٨ - حكم الماء المستعمل في إزالة الخبث
..........
و ممّا يرشد أيضاً إلى كون القاعدة محكمة في غاية الإحكام، بل هي في الحقيقة بعض لوازم نجاسة القليل، و الإجماعات عليها في غير المقام أكثر من أن تحصى، و تحصيلها من تتبّع الأخبار واضح، أنّ مثل العلّامة و غيره ممّن أذعن لهم أهل هذا الفنّ بالتحقيق لم يجسر على إنكارها بعد أن أوردها دليلًا للمرتضى، بل قال: «إنّا نمنع الملازمة، فنقول: بطهارة الماء في المحل، و نجاسته بعد الانفصال» [١].
و من هنا قال المحقّق الثاني: «إنّ فيه اعترافاً بالعجز عن دفع ما استدلّ به من مكان قريب» [٢]. و هو في غاية الجودة، فإنّ القول بنجاسة القليل الملاقي للنجاسة بعد مفارقتها لا يعقل وجهه، و التزام الطهارة حينئذٍ أولى و أولى.
إذا عرفت ذلك، فالظاهر أنّ الترجيح لهذه القاعدة لوجوه، [و هي: أنّ المتنجّس لا يطهّر] إن لم نقل: إنّها أخصّ من قاعدة نجاسة الماء القليل، و إلّا كانت محكّمة عليها على حسب غيرها:
١- منها: ما تقدّم في صدر البحث [و هو أنّ قاعدة انفعال القليل مستفادة من المفهوم].
٢- و منها: عدم وجود أثر لها هاهنا فيما وصل إلينا من الأخبار بالخصوص مع عموم البلوى و البليّة بها [بالغسالة]، و اشتمالها على كثير من فروعها الدقيقة، مثل القطرات و يد المباشر و نحوهما. و لذلك قال في الذكرى: «و العجب خلوّ كلام أكثر القدماء عن الغسالة مع عموم البلوى بها» [٣].
٣- و منها: تأيّد هذه بأصل البراءة، و أصل الإباحة، و أصل الطهارة و استصحابها.
٤- و منها: ما قد عرفت من أنّ ابن إدريس نسب ما قاله المرتضى إلى الاستمرار على أصل المذهب و فتاوى الأصحاب.
٥- و منها: أنّ هذه القاعدة لم يعثر على تخلّفها بالنسبة إلى المياه أبداً، بخلاف الاولى، فإنّه قد تخلّفت في بعضٍ هو محل وفاق كالاستنجاء و ماء المطر و الجاري، و آخرَ محل خلاف كالحمّام و نحوه.
٦- و منها: أنّ قاعدة «المتنجّس ينجّس» القاضي بتنجيس القليل به في المقام استنباطية، و لم يعلم شمولها لمثل المقام، مع تخلّفها عندهم هنا؛ فإنّ الماء عندهم نجس و لا ينجس الثوب مثلًا به، فإن كان لم يعلم شمول القاعدة لمثل المقام فلا يعلم شمول قاعدة أنّ المتنجّس ينجس للمقام حتى ينجس الماء بالثوب.
٧- و منها: عسر التحرّز عنها [الغسالة] في كثير من المقامات بالنسبة إلى جريانها إلى غير محل النجاسة، و بالنسبة إلى مقدار المتقاطر و مقدار المتخلّف و نحو ذلك، و القول بأنّ مدار ذلك على العرف لا أثر له في الأدلّة الشرعية، و لو تأمّل الناظر في عمل القائلين بالنجاسة و كيفية عدم تحرّزهم عنها لقطع بأنّ عملهم مخالف لما يفتون به، بل لو اتّفق أنّ بعض الناس صبّ [الماء] على فمه و بقي يهزّ رأسه لقطع ماء الغسالة المتخلّف في شعر شاربه و لحيته و منخره لعدّوه من المجانين، بل من المخالفين لشريعة سيّد المرسلين، بل هؤلاء الحاكمون بالنجاسة لا ينتظرون شيئاً من ذلك، و يبقى يتقاطر على ثيابهم، بل لعلّ المتخلّف الذي يتساقط عليهم أكثر من الذي انفصل بمراتب شتّى.
[١] المختلف ١: ٢٣٩.
[٢] جامع المقاصد ١: ١٢٨.
[٣] الذكرى ١: ٨٤.