جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٨ - ١- تطهير القليل بإلقاء الكرّ
..........
و يتوجّه على ما ذكره هذا المتأخّر:
١- أنّه إن أراد بالاستهلاك من جهة القلّة و الكثرة، بمعنى أنّه لا بدّ و أنّ المطهِّر أكثر من المطهَّر- بالفتح- بحيث يستهلك في جنبه، كما يقضي به استدلاله عليه بالحديث المشهور «إنّ الماء يطهِّر و لا يطهَّر» [١] بالحمل على أنّ المراد أنّه ليس صورة يطهر فيها إلّا بالاستهلاك و الاضمحلال، و حينئذٍ يكون كالمعدوم، فيتّجه قوله: «لا يطهَّر».
ففيه: أنّه مخالف للإجماع الذي ستسمعه من المحقّق الثاني في ردّه القول بالامتزاج. و قال في كشف اللثام: «لا خلاف في طهر الزائد على الكرّ أضعافاً كثيرة بإلقاء كرّ عليه و إن استهلكه» [٢].
و في المختلف: «أنّ الاتّفاق واقع على أنّ تطهير ما نقص عن الكرّ بإلقاء كرّ عليه دفعة» [٣]. و هو بإطلاقه شامل للنقصان الذي لا يستهلك بإلقاء الكرّ بأن كان ناقصاً قليلًا، على أنّه يحتمل أن يريد بالنقصان عن الكرّ من باب المثال؛ لتحقّق النجاسة و إلّا فلا تفاوت.
٢- و إن أراد بالاستهلاك حصول الامتزاج أي الجميع بالجميع فله وجه، بل يمكن حمل كلام القائلين باشتراط الامتزاج عليه؛ فإنّ الظاهر من التأمّل في كلامهم أنّ امتزاج بعض الأجزاء مع بعض لا يكفي في تطهير الجميع.
و ممّا يرشد إلى ذلك قوله في كشف اللثام في تحرير محلّ النزاع: «و هل يعتبر الممازجة و اختلاط أكثر الأجزاء بالأكثر أو الكلّ بالكلّ؟ اعتبرها في التذكرة كالمعتبر، و نحوهما الذكرى» [٤]، و هو ظاهر فيما ذكرنا.
لكن عن المحقّق الثاني أنّه قال- في إلزام القائلين بالامتزاج-: «إن اريد به امتزاج مجموع الأجزاء بالمجموع لم يتحقّق الحكم بالطهارة؛ لعدم العلم بذلك، بل ربّما علم عدمه، و إن اريد به البعض لم يكن المطهّر للبعض الآخر الامتزاج، بل مجرّد الاتّصال، و حينئذٍ فيلزم: إمّا القول بعدم طهارته، و هو باطل قطعاً؛ للإجماع على أنّه ليس وراء الامتزاج المذكور شرط آخر لطهر الجميع، أو القول بالاكتفاء بمجرّد الاتّصال، و حينئذٍ فيلزم القول به [بالطهر] مطلقاً» [٥].
و فيه: أنّه يراد الأوّل، قوله: «لم يتحقّق الحكم بالطهارة».
قلت: إن أراد به دائماً فهو ممنوع؛ فإنّه في غالب الأوقات يحصل العلم بالامتزاج، كما إذا كان النجس قليلًا أو كان ذا صفات قد اضمحلّت، و نحو ذلك. و إن أراد أنّه يتّفق في بعض الأوقات عدم حصول العلم أو العلم بالعدم، ففيه: أنّه لا مانع من التزام عدم الطهارة حينئذٍ، و كيف لا! و هو ثمرة المسألة.
أو [يحتمل أن] يراد الثاني لكن الأكثر بالأكثر، قوله: «لم يكن المطهِّر للبعض الآخر الامتزاج ... إلى آخره»، فيه: أنّ مسألة التطهير تتبع الدليل الشرعي، و لعلّه الإجماع في المقام كما ادّعاه.
و كيف يقاس هذا على ما لم يحصل الامتزاج بالمرّة؟! فإنّه قد يكون لهذا الامتزاج مدخليّة، لا سيّما إن قلنا: الأكثر بالأكثر.
[١] الوسائل ١: ١٣٣، ب ١ من الماء المطلق، ح ٣، ٦، ٧.
[٢] كشف اللثام ١: ٣١٠.
[٣] المختلف ١: ١٧٩.
[٤] كشف اللثام ١: ٣٠٩.
[٥] لم نعثر عليه، لكن نقله في الحدائق ١: ٣٣٤- ٣٣٥.