جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤١ - مقدار التباعد بين البئر و البالوعة
..........
جو ليس هناك اعتبار جهة في البئر دون البالوعة حتى يكون تحكّماً كما ادّعاه المعترض، فلا وجه لهذا الإشكال.
كما أنّه لا وجه للإشكال في أصل الحكم: من أنّه لا معنى للاستناد في إلحاق الجهة برواية الديلمي؛ لأنّهم لم يعملوا بها فيما دلّت عليه من الأحكام، فكيف يتمّ لهم الاستناد إليها في خصوصية هذا الحكم؟! لما عرفت سابقاً أنّه لم يعمل بشيء، نعم قد استفيد منها أنّ جهة الشمال فوق بالنسبة إلى غيرها، و إلّا فلا عمل بشيء من تقديرها، و هذا المعنى كما يمكن استفادته منها يمكن استفادته من غيرها كرواية أبي يزيد الجمّاز، بل يمكن معرفته من قواعد اخر عندهم؛ و ذلك لأنّ الأرض كرويّة واقعة في الماء، قدر منها داخل و قدر منها خارج، و ربّما قالوا: إنّ ثلثيها داخل و ثلثها خارج، و وسطه قبّة الخارج محاذي للقطب الشمالي، و كلّ عنصر يميل إلى مركزه، و مركز الماء هو البحر الذي فيه الأرض، فالماء الذي في الأرض يميل بالطبع إلى الجنوب من كلّ جانب من الأرض، و الشمال من الأرض فوق جنوبها؛ لأنّ ابتداء الأرض الخارج من الجنوب متّصل بالبحر، فكلّما يتحرّك المتحرّك من جنوب الأرض إلى شماله يصعد إلى أن ينتهي إلى محاذي القطب الشمالي، و إذا تحرّك منه إلى الجنوب ينزل؛ لما قلنا من أنّ الأرض كرويّة.
فظهر بما ذكرنا أنّ الشمال فوق بالنسبة إلى الجنوب، فإذا كانت البئر في جهة الشمال مال الماء بالطبع إلى جهة الجنوب، و لا يصعد من الجنوب إلى الشمال إلّا بقاسر يقسره، فلذلك اكتفينا بالخمس، بخلاف العكس فاحتجنا إلى الزيادة. و ربّما يشير إلى ما ذكرنا قول الصادق (عليه السلام) في رواية ابن يزيد [١] المتقدّمة [٢]: «يجري الماء إلى القبلة إلى يمين، و يجري عن يمين القبلة إلى يسار القبلة و يجري عن يسار القبلة إلى يمين القبلة، و لا يجري من القبلة إلى دبر القبلة».
و ذلك، لأنّ قبلة الراوي قبلة العراق و هي جهة الجنوب لهم، فلا يجري الماء من الجنوب إلى دبر القبلة أي إلى الشمال؛ لأنّه دبر القبلة بالنسبة إلى مستقبل القبلة. و في كشف اللثام- بعد أن ذكر هذه الرواية مؤيّدة للحكم بأنّ جهة الشمال فوق بالنسبة إلى الجنوب-: «الظاهر أنّ المراد بالقبلة قبلة بلد الإمام و نحوه من البلاد الشمالية، و يعضده الاعتبار، لكون معظم المعمورة في الشمال، و انغمار الجنوبي من الأرض في الماء حتى لم يرَ العمارة في الجنوبي من قِبل بطليموس» [٣] انتهى، و لا منافاة فيه لما ذكرنا.
لا يقال: إنّه لا معنى لجميع ما ذكرتم؛ لكون البئر و البالوعة معاً في البلاد الشمالية فأي معنى لكون البئر في مهبّ الشمال دون البالوعة و بالعكس.
لأنّا نقول: المراد به إنّما هو القرب إلى ناحية الشمال و عدمه، فتأمّل.
نعم، قد يشكل المقام بأنّه مع حصول الفوقيّتين- أي الجهة و القرار- لا معنى للاقتصار على السبع الحاصل لأحدهما لو كان؛ لأنّه يزداد مظنّة وصول ماء البالوعة إلى البئر، و كذلك لا معنى للخمس مع الفوقيّتين في البئر؛ فإنّه يبعد مظنّة وصول ماء البالوعة إليها، و من هنا يمكن حمل الرواية على ذلك [حصول الفوقيّتين لأحدهما] فيكون ذكر الاثني عشر مع علوّ قرار البالوعة وجهتها، و يكون الاكتفاء بالأذرع في كلامه مع علوّ قرار البئر و الجهة أيضاً، فتكفي و لو ثلاثاً، و مع الاستواء فيهما اكتفي بالسبع.
[١] و قد سبق أنّه ابن أبي يزيد.
[٢] تقدّم في ص ٢٣٨.
[٣] كشف اللثام ١: ٣٨٢.