جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٤٣ - الفرض الخامس من فروض الوضوء مسح الرجلين
..........
٦- لنا: مضافاً إلى ما سمعت من الأخبار المروية من طرقهم، قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [١] بالجرّ [أي جرّ أرجلكم] في قراءة ابن كثير و أبي عمرو و حمزة، و في رواية أبي بكر عن عاصم [٢]، بل قيل: إنّها مجمع عليها، و إنّها هي القراءة المنزلة [٣]، بخلاف قراءة النصب، فإنّها مختلف فيها.
و يؤيّده: خبر غالب بن الهذيل- من طريق الأصحاب- قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ: (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ) على الخفض هي أم على النصب؟ قال: «بل هي على الخفض» [٤].
على أنّه لو سلّمنا قراءة النصب كما نقلت عن نافع و ابن عامر و الكسائي، و [كما هي] في رواية حفص عن عاصم ٥، فهي غير منافية لها؛ لحمل الاولى [أي قراءة الجرّ] على العطف على اللفظ، و [حمل] الثانية [أي قراءة النصب] على [العطف على] المحلّ.
و دعوى أنّه ليس أولى من جعلها [أرجلكم] في [قراءة] النصب معطوفة على لفظ الأيدي، و حمل قراءة الجرّ على جرّ المجاورة، كما في قولهم: «هذا جحر ضبٍّ خربٍ» [فيجب الغسل على كلتا القراءتين].
يدفعها:
[أوّلًا]: أنّ العطف على المحلّ أولى؛ للقرب، و ل[استلزام قراءة النصب] الفصل [بين المعطوف و المعطوف عليه]، و للإخلال بالفصاحة، من [حيث] الانتقال عن جملة إلى اخرى أجنبية قبل تمام الغرض، بل فيه إغراء بالجهل، و منافاة للغرض.
[ثانياً]: مع أنّه يقتضي حمل قراءة الجرّ على المجاورة كما اعترف به في السؤال، و إلّا [لو حمل على العطف على لفظ رءوسكم] يحصل التنافي بين القراءتين [لأنّ النصب يقتضي الغسل، و الجرّ يقتضي المسح]، و هو غير جائز.
و ارتكاب إيجاب الجمع بين الغسل و المسح كما قال به داود [٦] فهو- مع عدم وضوح ترتّبه [ترتّب إيجاب] على ذلك [القراءتين المتقدّمتين]- قد استقرّ الإجماع على خلافه كما قيل. ك[عدم وضوح] احتمال القول بالتخيير بينهما [بين الغسل و المسح].
[إذن] فلم يبق إلّا التزام جرّ المجاورة [في قراءة الجرّ]، و هو:
١- مع ما عن محقّقي النحويين [من] منعه، و تأويل جميع ما يتخيّل فيه ذلك، بأن يراد مثلًا ب«خرب» صفة مشبّهة، أي خرب جحرُهُ، و نحوه غيره.
٢- و عن بعض التصريح بعدم جواز وقوعه في الكلام الفصيح ٧، و أنّه شاذّ يقتصر فيه على بعض الألفاظ المسموعة.
٣- مشروط بعدم وجود حرف العطف؛ لانتفاء المجاورة معه و عدم اللبس كما في المثال، بخلاف ما نحن فيه [الآية الشريفة].
[١] المائدة: ٦.
[٢] ٢، ٥ أحكام القرآن للجصّاص ٢: ٣٤٥.
[٣] التهذيب ١: ٧٠.
[٤] الوسائل ١: ٤٢٠، ب ٢٥ من الوضوء، ح ١٠.
[٦] ٦، ٧ تفسير غرائب القرآن ٢: ٥٥٧.