جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٤٤ - الفرض الخامس من فروض الوضوء مسح الرجلين
..........
و ما يتخيّل أنّ منه [من جرّ المجاورة] قوله تعالى: (وَ حُورٌ عِينٌ) [١] بقراءة الجرّ [فإنّ الجرّ ليس لعطف «الحور» على «الأكواب»] لكونها لا يطاف بها.
يدفعه: أنّه- على تقدير تسليم هذه القراءة- أنّه عطف [ «الحور»] على «جنّات النعيم» كأنّه قال: هم في جنّات النعيم و فاكهة و لحم و مقاربة حور عين. أو [أنّه عطف «حور»] على «أكواب»؛ لأنّ معناه يتنعّمون بأكواب، على أنّه لا امتناع في أن يطاف بهنّ. فلا يعارض مثل ذلك الحمل على عطف [الأرجل على] المحلّ [أي محلّ الرءوس] الواقع في الكلام الفصيح شعراً و نثراً.
و من هنا التجأ بعضهم [٢] إلى ارتكاب شيء آخر، و هو أنّ المراد بالمسح هنا الغسل؛ لاشتماله عليه. و إنّما عبّر عنه [الغسل] بلفظ المسح تنبيهاً على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء؛ لكون الأرجل تغسل بالصبّ من بين الأعضاء فهي مظنّة الإسراف.
ثمّ جيء بقوله: (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قرينة على إرادة الغسل؛ لعدم ضرب غاية للمسح في الشرع.
بل هذا التحديد [بقوله: (إِلَى الْكَعْبَيْنِ)] قرينة على عطفه [قوله: (وَ أَرْجُلَكُمْ)] على «الأيدي»؛ لاتّحادهما بذلك [بكونهما محدودين].
و يدفعه:
١- مع أنّهم لا يقولون به [بأنّ المراد بالمسح الغسل] بالنسبة للرأس.
٢- ما تقدّم لك سابقاً من التباين بين الحقيقتين [أي المسح و الغسل] لغةً و عرفاً و شرعاً، و مجرّد الاشتمال [أي اشتمال المسح] عليه [الغسل] لا يوجب صدق الاسم عليه، و إلّا لوجب صدقه على حركة اليد و نحوها.
٣- ثمّ إنّه لا دليل على وجوب الاقتصاد في غسل الرجلين، و لا مانع من التحديد في المسح؛ إذ هو كالغسل في قابليّته لذلك.
بل لا مانع من عطف المحدود [و هو مسح الرجلين] على غير المحدود [و هو مسح الرءوس] كما في عطف الأيدي على الوجوه. بل الظاهر أنّه أولى؛ لموافقة الجملة الثانية: [ (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)] مع الجملة الاولى [أي: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ)] بالنسبة إلى ذلك [في عطف المحدود في كلّ منهما على غير المحدود].
و عن آخرين حمل قراءة الجرّ على طهارة ذي الخفّين [٣]، فالتزموا بالتعبير عن الخفّ بالرجل. و هو أشنع من الأوّل [و هو الحمل على جرّ المجاورة].
و لقد أطال أصحابنا (رحمهم الله) في البحث معهم بذلك، لكنّه كما قيل:
لقد أسمعت لو ناديت حيّاً * * * و لكن لا حياة لمن تنادي
[١] الواقعة: ٢٢.
[٢] الكشّاف ١: ٥٩٧.
[٣] سبل السلام، للصنعاني ١: ٨٨.