جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١١١ - أوّلًا- القليل
..........
و كيف! و الاستدلال بهذه الرواية على عدم الاكتفاء بالظنّ [في نجاسة القليل بالملاقاة] مبني على حجّية ظنّ المجتهد الحاصل من الأخبار فيتحقّق التعارض [بينهما]، و الترجيح لما ذكرنا؛ لاستفادته من الأدلّة الكثيرة.
و أمّا الرواية التي ادّعى ابن أبي عقيل تواترها [ «إنّ الماء طاهر ...»] فهي:
١- مع أنّا لم نقف عليها بعد التتبّع التامّ في شيء من كتب الأخبار.
٢- و كيف يقبل منه هذا النقل مع تبيّن خلافه بما سمعت من الأخبار الكثيرة الصحيحة؟ بل ربّما نقل عن بعضهم: أنّه عثر على ثلاثمائة خبر تقريباً يدلّ على النجاسة.
٣- مع ما عرفت من اشتهار العمل بين قدماء الصحابة القريبين إلى عهد الأئمّة (عليهم السلام) و متأخريهم، و ابن إدريس [١] نقل عن المؤالف و المخالف رواية قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا كان الماء قدر كرٍّ لم يحمل خبثاً» [٢] عند الكلام على طهارة الماء النجس بإتمامه كرّاً.
٤- و ما سمعت من الإجماعات المنقولة، إلى غير ذلك من الأدلّة و الشواهد.
٥- هي قابلة للتخصيص [بأدلّة انفعال القليل]؛ لظهور إرادة التواتر اللفظي، و إلّا فقد عرفت ما فيه؛ فإنّ نقل التواتر لا يزيد على نقل الإجماع، و هو مع ما عرفت لا ينبغي أن يصغى إليه.
٦- و وجود هذه الرواية مرسلة في بعض الكتب لا يقضي بما ادّعاه، كنقل بعض العامّة لما يقرب منها عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) كما قيل [٣].
نعم، في السرائر [٤] جعل من المتّفق على روايته قول الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم): «خلق اللّٰه الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته» [٥].
و فيه:- مع إمكان المنع- أنّه مخصّص بما عرفت من نقله الأوّل، و ادّعائه إجماع المخالف و المؤالف على رواية: «إذا كان الماء قدر كرٍّ لم يحمل خبثاً».
و أمّا مصحّحة ابن حمران، فهي لم تدلّ على أزيد من تشبيه التراب بالماء في الطهورية، و هو لا يقتضي عدم قبول الماء الانفعال.
و الحاصل: أنّ كثيراً من هذه الروايات مع الغضّ عمّا في أسانيدها لا دلالة فيها إلّا من جهة الإطلاق أو ترك الاستفصال، و هو لا يعارض ما ذكرنا، بل كثير منها ظاهر في كون الماء كثيراً، مثل الأخبار الواردة في الغدران و الماء النقيع و الحياض و نحو ذلك، كما يقتضيه شرب الدوابّ و أبوالها، و عدم تغيّرها بالميتة و الجيف، و الأمر بالوضوء من الجانب الآخر، و نحو ذلك.
[١] السرائر ١: ٦٣، و فيه: «إذا بلغ الماء كرّاً».
[٢] المستدرك ١: ١٩٨، ب ٩ من الماء المطلق، ح ٦، و فيه: «إذا بلغ الماء كرّاً».
[٣] المعتبر ١: ٤٠.
[٤] السرائر ١: ٦٤.
[٥] الوسائل ١: ١٣٥، ب ١ من الماء المطلق، ح ٩.