جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٨٥ - الواجب غسل ظاهر المخرج
..........
٣- بل يشير إليه قول بعضهم [١]: إنّه لا بدّ من الماء و إن لم يبلغ باطن الأليتين، و ذلك لأنّه بدونه يخرج عن المتعارف المعتاد.
٤- و كيف يسوغ لأحد أن يحمل كلامهم على إرادة مطلق التعدّي، مع أنّه لازم لخروج الغائط في الغالب؟! مع أنّ الاستنجاء بالأحجار كان هو المتعارف في ذلك الزمان. بل يظهر من الروايات [٢] أنّه لم يعرف غيره حتى نزل قوله تعالى: (إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [٣] في الرجل الذي أكل طعاماً فلانت بطنه فاستنجى بالماء، فشرع هناك التخيير بينه و بين الأحجار.
و ممّا يرشد إلى هذا أيضاً أنّ العلّامة في المنتهى استدلّ على وجوب إزالة المتعدّي بالماء: بأنّه إنّما شرع الأجمار لأجل المشقّة الحاصلة من تكرّر الغَسل مع تكرّر النجاسة، أمّا ما لا يتكثّر فيه حصول النجاسة، فلا يجزي فيه إلّا الغسل كالساق و الفخذ [٤]، و هو كالصريح في إرادة التعدّي بغير المعتاد. و كأنّ الذي أوقعهم في الوهم تفسير المتأخّرين للتعدّي بالتعدّي عن حواشي المخرج، و هو- مع أنّه وقع من متأخّري المتأخّرين- ممكن الحمل على ما ذكرنا أيضاً.
و ما نقله بعضهم عن التذكرة من الإجماع على أنّ المراد بالتعدّي هو مطلق التعدّي [٥]، لم أجده فيها، بل الموجود فيها:
«الغائط إن تعدّى المخرج وجب فيه الغَسل بالماء إجماعاً»، و هو كسائر عبارات الأصحاب. نعم، قال فيها بعد ذلك: «و يشترط في الاستنجاء بالأحجار امور، منها: عدم التعدّي، فلو تعدّى المخرج وجب الماء، و هو أحد قولي الشافعي، و في الآخر:
لا يشترط؛ فإنّ الخروج لا ينفك منه غالباً، و اشترط عدم الزيادة على القدر المعتاد، و هو أن يتلوّث المخرج و ما حواليه، و إن زاد عليه و لم يتجاوز الغائط صفحتي الأليتين فقولان» [٦] انتهى. فقد يشعر نسبة ذلك إلى الشافعي أنّ المراد بالتعدّي عندنا هو مطلق التعدّي حتى على المحل المعتاد.
لكن التعويل على مثل هذه العبارة في مخالفة هذا الحكم الذي كاد أن يكون قطعياً ممّا لا ينبغي أن يرتكبه فقيه، على أنّ ما نقله عن الشافعي فيها [التذكرة] خلاف ما نقله عنه في المنتهى، قال فيه: «إذا تعدّى المخرج تعيّن الماء، و هو أحد قولي الشافعي، و القول الثاني له و عن إسحاق: أنّه إذا تعدّى إلى باطن الأليتين و لم يتجاوز إلى ظاهرهما، فإنّه يجزيه الحجارة، فإن تجاوز ذلك فظهر على الأليتين وجب الماء عنده قولًا واحداً» [٧] انتهى، و هو ظاهر فيما قلنا.
و ممّا يدلّ على ما ذكرنا من أنّ مرادهم بالتعدّي إنّما هو عن محل العادة، استدلال المصنّف في المعتبر على وجوب الماء في التعدّي بقوله (عليه السلام): «يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة» [٨]، و هو كالصريح فيما قلناه، فلا ينبغي الإشكال حينئذٍ في أنّ مراد الأصحاب: التعدّي عن المحلّ المعتاد.
[١] نهاية الإحكام ١: ٨٧.
[٢] الوسائل ١: ٣٥٤- ٣٥٦، ب ٣٤ من أحكام الخلوة، ح ٣، ٥، ٦.
[٣] البقرة: ٢٢٢.
[٤] المنتهى ١: ٢٦٨.
[٥] كالأردبيلي و الخوانساري في عبارتيهما اللتين مرّتا عن قريب.
[٦] التذكرة ١: ١٢٥.
[٧] المنتهى ١: ٢٦٨.
[٨] المعتبر ١: ١٢٨.