جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٧٤ - اشتراط التغيّر الحسّي
..........
و لعلّ هذا أولى ما يستدلّ به للعلّامة، و قد أشار إليه في المنتهى، قال فيه قبل هذه المسألة: «الرابع: بلوغ الكرّية حدٌّ لعدم قبول التأثير عن الملاقي إلّا مع التغيّر؛ من حيث إنّ التغيّر قاهرٌ للماء عن قوّته المؤثّرة في التطهير. و هل التغيّر علامة على ذلك و الحكم يتبع الغلبة، أم هو المعتبر؟ الأولى الأوّل، فلو زال التغيّر من قِبل نفسه لم يزل عنه حكم التنجيس» [١]. و هو صريح فيما قلنا، و قد يؤيّده حينئذٍ:
١- بأنّه لو كان المدار على التغيّر و ليس المدار على الغلبة، لكان لا معنى للتقدير في الموافق الذي منع من ظهور التغيّر فيه مانع، سيّما فيما إذا كانت صفات الماء أصلية لا عارضية، كما في المياه الكبريتيّة و نحوها.
٢- و بأنّه لو كان المدار عليه أيضاً، لكان الحكم دائراً مداره وجوداً و عدماً، و هو لا معنى له، و إلّا لم يثبت التنجيس مع زوال التغيير من قِبل نفسه و بإلقاء أجسام طاهرة.
و لكن قد يقال في الجواب عن ذلك:
أ- إنّ المراد بالغلبة- كما هو الظاهر من بعضها- الغلبة بالأوصاف، فتتّحد حينئذٍ مع التغيّر، كقوله (عليه السلام): «إذا غلب لون الماء لون البول» [٢]، و قوله (عليه السلام): «إلّا أن يغلب على الماء الريح فينتن» [٣]، و قوله (عليه السلام) فيما لم يكن فيه تغيّر: «أو ريح غالبة» [٤] ... إلى غير ذلك. و كأنّ كلام العلّامة في المنتهى ليس مخالفاً لما نحن فيه؛ لأنّه و إن قال: «إنّ المدار على الغلبة» لكنّه جعل العلامة على ذلك التغيير، فلا يحكم بحصوله ابتداءً بدونه. نعم، لو ذهب التغيّر بعد الحكم بحصول النجاسة لم تذهب النجاسة: أمّا بناءً على كلامه فلتحقّق الغلبة التي كان علامتها التغيّر، و أمّا بناءً على مختارنا فللاستصحاب؛ إذ الشارع حكم بالنجاسة مع التغيّر و لم يعلم أنّ الاستمرار [في التغيّر] علّةٌ للاستمرار [في النجاسة] أو لا، فيستصحب. و ليس للعقل مدخليّة في الطهارة و النجاسة حتى يقال بالمغلوبية و المقهورية التي لم يبق معها قوّة الماء.
ب- و أيضاً: لو كان المدار على الغلبة كيف يصحّ تعليق الحكم [في الأخبار] على التغيّر الذي هو وصف مفارق لها، و جعلها دائرة مداره؟ و أيضاً: ينبغي القول حينئذٍ بما إذا كشف عن الغلبة غيرها من الكثرة و نحوها.
جو أيضاً: لو كان المدار على الغلبة لوجب القول بالتقدير حينئذٍ في فاقد الصفات و في الواجد الضعيف، و قد عرفت نقل الإجماع على خلافه.
د- و أيضاً: فإنّا نمنع تحقّق الغلبة فيما نحن فيه بمجرّد ذلك [التقدير] مع بقاء الاسم، فإنّه لا يعلم أنّ المدار على صدقها عرفاً- بحيث يقال: إنّ الماء غلب على النجاسة- أو شرعاً. و كيفما كان، فالتقدير لا يحقّق شيئاً منهما [الصدق عرفاً أو شرعاً]، بل المتحقّق خلافه.
هو أيضاً: بقرينة الشهرة و نحوها تحمل الغلبة على إرادة التغيّر، فتأمّل جيّداً، و اللّٰه أعلم.
[١] المنتهى ١: ٤١- ٤٢.
[٢] الوسائل ١: ١٣٩، ب ٣ من الماء المطلق، ح ٧.
[٣] الوسائل ١: ١٦١، ب ٩ من الماء المطلق، ح ١١، و ليس فيه: «فينتن».
[٤] المصدر السابق: ١٦٢، و فيه: «ممّا لم يكن».