جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠٩ - أوّلًا- القليل
..........
ب- و مع كون استصحاب طهارة الملاقي للماء القليل الملاقي للنجاسة لا يفيد طهارة بالنسبة للماء. و التتميم بعدم القول بالفصل [بين الماء و بين ملاقيه]- مع كونه لا معنى له؛ لكونه ليس قولًا بالطهارة في بعض دون بعض، بل إنّما ساغ الشرب مثلًا و لبس الثوب الملاقي في الصلاة لعدم العلم بالنجاسة لا للعلم بالطهارة- خروج عن الاستدلال بالاصول. فلم يبق إلّا استصحاب طهارة الماء نفسه- على القول بجريانه في قدح العارض- و أصالة الطهارة، فإنّه لا يعارضه شغل الذمّة و يقتضي طهارة الماء.
جلا تعارض ما سمعت من الإجماعات و الأخبار الكثيرة التي كادت تكون متواترة، بل هي متواترة، و ما يستفاد من القاعدة في نجاسة كلّ ما تلاقيه هذه النجاسات مع الرطوبة.
[ثانياً]: و أمّا الآيات، فهي:
أ- مع إمكان منع كون كلّ الماء منزلًا من السماء، و ما ذكر من الآية و تفسيرها معارض بغيره.
ب- [و] مع أنّ احتمال ذلك لا يقتضي حمل اللفظ [أي الماء] عليه، و إن كان متبادراً في غيره كماء المطر. و لعلّ التعليل بقوله تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمّٰا خَلَقْنٰا أَنْعٰاماً وَ أَنٰاسِيَّ كَثِيراً) [١] يقضي به كما نقل عن البيضاوي [٢].
و يؤيّده: أنّه ورد في سبب نزول الثانية [ (وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ...)] أنّ المسلمين نزلوا في غزوة بدر في كثيب و قد غلب المشركون على الماء و اتّفق أنّه احتلم في تلك الليلة كثير من المسلمين، و قد وقع بسبب ذلك وسواس في قلوب بعضهم، فأنزل اللّٰه مطراً في تلك الليلة حتى جرى الوادي و تلبّد الرمل الذي بينهم و بين العدو حتى يثبت الأقدام، و ذلك قوله تعالى:
(وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ) [٣].
جلا تقضي إلّا بثبوت هذه الصفة [أي الطهورية] للماء المنزل من السماء إمّا في الجملة أو حين الإنزال، كما هو الظاهر من قولك: ضربت رجلًا راكباً، فإنّه ظاهر في أنّ الركوب حال الضرب لا حال الإخبار. و التمسّك على دوامه بثبوته رجوع للتمسّك بالاستصحاب، و قد عرفت ما فيه.
د- و قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا ...)* [٤] إلى آخره.
١- مع كون الظاهر من إطلاقها أنّه غير مساق لشمول مثل هذا [القليل الملاقي للنجاسة].
٢- لا ريب في أنّ المراد منها- كما بيّن في محلّه- من لم يقدروا على استعمال الماء عقلًا أو شرعاً، و دخول ما نحن فيه تحت القدرة محلّ الكلام، فهي لا تفيد ما نحن فيه.
٣- على أنّه قد عرفت بالأدلّة المتقدّمة أنّ واجد الماء القليل غير واجد للماء، فيكون كواجد المغصوب و المتغيّر و نحو ذلك، و الرجوع إلى الأصل و نحو ذلك خروج عن الاستدلال [بالآية].
[١] الفرقان: ٤٩.
[٢] تفسير البيضاوي ٢: ١٤٣- ١٤٤.
[٣] الأنفال: ١١.
[٤] النساء: ٤٣. المائدة: ٦.