جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥٢ - انكفاء أحد الإناءين المشتبهين بالنجس
[انكفاء أحد الإناءين المشتبهين بالنجس]:
٢- و منها: أنّه لو انكفأ أحد الإناءين، فهل يتغيّر الحكم الأوّل أو لا؟ و الظاهر أنّ الحكم عندهم كالأوّل (١).
(١) و لم أعثر على وجود مخالف من أصحابنا و لا نقل عن أحد منهم. نعم، نقل عن بعض العامّة [١] أنّه جوّز الطهارة لأصل الطهارة. و ردّه في كشف اللثام بأنّه «لو تمّ لجاز بأيّهما اريد» [٢] انتهى.
و يمكن أن يقال بالفرق بين المقامين؛ و ذلك لحصول المكلّف به باجتنابه يقيناً في الأوّل [قبل الانكفاء]، فيجب الاجتناب للمقدّمة، بخلاف الثاني، فإنّه لا يقين في حصول المكلّف به. لا يقال: إنّه مكلّف باجتناب النجس في الواقع، و لا يقطع بامتثال هذا التكليف إلّا باجتناب هذا الفرد. قلت: لو تمّ لوجب اجتناب جميع ما احتمل حرمته و وجب الإتيان بجميع ما احتمل وجوبه؛ لأنّ كلّ إنسان مكلّف بأن يأتي بالواجب و يجتنب المحرّم، و لا يتمّ ذلك إلّا بإتيان جميع ما احتمل ذلك، و هو واضح الفساد. نعم، إنّ الذي نوجبه من باب المقدّمة إنّما هو بعد شغل الذمّة يقيناً بفرد الكلّي، لا التكليف بنفس الكلّي الذي يحتمل أن يكون هذا فرداً له. و ما يقال: إنّ ما ذكرت خرج بالدليل الدالّ على أنّ المراد بفعل الواجب أي ما بلغكم وجوبه، و باجتناب المحرّم أي ما بلغكم حرمته، بخلاف ما نحن فيه. لأنّا نقول- مع الغضّ عمّا فيه-: لو سلّم ذلك في الأحكام لم يسلّم في الموضوع، كالجبن المحتمل حرمته و العبد المحتمل حريّته و نحو ذلك.
فإن قلت: إنّ ذلك كلّه يرجع إلى الشبهة الغير المحصورة، و هي غير واجبة الاجتناب، بخلاف ما نحن فيه.
قلت: أيضاً نقول هنا، فإنّه بانكفاء أحد الإناءين رجع الموجود إلى كونه شبهة غير محصورة؛ لأوْله إلى كونه نجساً أو غير نجس، فلا فرق بينه و بين الجبن المحتمل حرمته. فإن قلت: هذا الإناء [الباقي] بنفسه كان واجب الاجتناب إمّا للمقدّمة أو للأصل، فما الذي أزال هذا الوجوب؟! قلت: الذي أزاله هو زوال ما أوجبه، و هو اليقين بحصول المكلّف به الشخصي، و قد زال، فزال ذلك التكليف تبعاً له. فإن قلت: كلام الأصحاب متّفق على خلاف ما ذكرت. قلت: لعلّهم أخذوا ذلك من ظاهر أخبار المقام الآمرة بالإراقة الشاملة للإراقة الدفعية و التدريجية.
و بعد ذلك كلّه، فالإنصاف أنّه فرق بين ذلك و بين ما ذكرنا من أقسام الشبهة غير المحصورة؛ و ذلك لدوران الجبن الخاصّ بينه و بين سائر الأفراد منه، بخلاف ما نحن فيه، فإنّه دائر بين أن يكون هذا النجس أو الذي انكفأ، فهو و إن لم يعلم وجود المكلّف به شخصاً لكن التكليف بالكلّي موجود، و لا يحصل اليقين بامتثاله إلّا بذلك، و لا عسر و لا حرج فيه. فيشكّ في شمول الأدلّة [المرخّصة] له أيضاً كما ذكرنا سابقاً.
و من هنا ينقدح طريق آخر في تقرير المقدّمة غير الطريقين السابقين؛ بأن نقول: إنّ الشارع كلّفه باجتناب النجس منهما و كان مبهماً بالنسبة إليه، و لا يتمّ اليقين بامتثال هذا التكليف إلّا باجتناب الباقي منهما. و لعلّه يرشد إلى ذلك الأخبار الآمرة [٣] بوجوب غسل الثوب جميعه عند العلم بحصول النجاسة فيه و عدم العلم بمكانها خصوصاً، فإنّها لم تكتفِ بغسل بعض يحتمل كونه هو النجس، مع أنّه بذلك ينقطع باب المقدّمة، فتأمّل جيّداً جداً.
[١] المجموع ١: ١٨٥.
[٢] كشف اللثام ١: ٣٧٠.
[٣] انظر الوسائل ٣: ٤٠٢، ب ٧ من النجاسات.