جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٠ - الماء طاهر مزيل للحدث و الخبث
..........
و ربّما ظهر من شيخ الطائفة في التهذيب و الخلاف الاستدلال بهذا الطريق. قال في الأوّل: «و الطهور هو المطهّر في لغة العرب، فيجب أن يعتبر كلّ ما يقع عليه الماء بأنّه طاهر مطهّر إلّا ما قام الدليل عليه على تغيّر حكمه، و ليس لأحد أن يقول: إنّ الطهور لا يفيد في لغة العرب كونه مطهّراً؛ لأنّ هذا خلاف على أهل اللغة. فإن قال قائل: كيف يكون الطهور هو المطهّر، و اسم الفاعل منه غير متعدٍّ، و كلّ فعول ورد في كلام العرب متعدّياً لم يكن متعدّياً إلّا و فاعله متعدٍّ؟ قيل له: هذا كلام من لم يفهم معاني الألفاظ العربية؛ و ذلك أنّه لا خلاف بين أحد من أهل النحو: أنّ فعولًا موضوع للمبالغة و تكرّر الصفة» [١]، و عدم حصول المبالغة على ذلك الوجه لا يستلزم عدم حصولها بوجه آخر و هو هنا باعتبار كونه مطهّراً، ثمّ ذكر المنع المتقدّم الذي نقلنا عنه سابقاً.
و قال في الخلاف: «عندنا أنّ الطهور هو المطهّر المزيل للحدث و النجاسة و به قال الشافعي، و قال أبو حنيفة و الأصم:
الطهور و الطاهر بمعنى واحد. دليلنا: هو أنّ هذه اللفظة وضعت للمبالغة، و المبالغة لا تكون إلّا فيما يتكرّر فيه الشيء الذي اشتق الاسم منه، أ لا ترى أنّهم يقولون: فلان ضارب، إذا ضرب ضربة واحدة، و لا يقال: ضروب، إلّا بعد أن يتكرّر منه الضرب، و إذا كان كونه طاهراً ممّا لا يتكرّر و لا يتزايد فينبغي [أن يكون كونه طهوراً لما يتزايد] [٢]، و الذي يتصوّر التزايد فيه أن يكون مع كونه طاهراً مطهّراً مزيلًا للحدث و النجاسة، و هو الذي نريده ... إلى آخره» ٣ انتهى.
و ربّما أورد عليه بعض المتأخرين: بأنّ هذا إثبات اللغة بالاستدلال [٤]، و هو غير جائز.
و قد يظهر من بعض هؤلاء إنكار استعمال طهور وصفاً، نعم سلّم استعماله في اسم الآلة، أي لما يتطهّر به كالوضوء لما يتوضّأ به و السحور و غير ذلك.
و فيه:
١- أنّه قد يكون مراد الشيخ التأييد بذلك، و إلّا فالمعتمد ما نقله أوّلًا عن أهل اللغة [أي المطهّر] و إن كان ظاهر قوله في الخلاف: «دليلنا ... إلى آخره» ينافي ذلك.
٢- أو يكون مراده ما ذكرناه سابقاً من الاستناد إلى الفهم العرفي بعد تعذّر المعنى الحقيقي، فتأمّل جيّداً.
٣- و أمّا إنكاره مجيء «فعول» وصفاً، فهو كأنّه مخالف للمجمع عليه بينهم، و أبو حنيفة و أصحابه لم ينكروا ذلك، بل أنكروا وصفيته بمعنى مطهّر لا أصل الوصفية. و لذلك قال في المصابيح: إنّه لا خلاف في مجيئه وصفاً، و إنّما الخلاف في تعيين المراد منه حينئذٍ، فهل [المراد] الطاهرية أو هي مع المطهّرية؟ [٥]
لا يقال: إنّ وجه المبالغة غير منحصر في ذلك، فإنّ الطهارة قابلة للزيادة و النقصان كالوضوء بالآجن و المشمّس.
لأنّا نقول: إنّ رفع الحدث معنى واحد لا يختلف، و كراهة استعمال بعض المياه لا يقتضي نقصاً فيها.
نعم، قد يقال: إنّه- بناءً على أنّ المراد بالطهارة المعنى الذي يحصل في نفس المكلّف من القرب إلى اللّٰه- تكون قابلة للزيادة و النقيصة من جهة القرب و الأقربية. و أنت خبير أنّ العمدة في الاستدلال إنّما هو النقل و التبادر لا هذه الوجوه، فتأمّل جيّداً.
[١] ١، ٣ التهذيب ١: ٢١٤. الخلاف ١: ٤٩.
[٢] في الجواهر: «فينبغي كون طاهراً طهوراً لما لا يتزايد».
[٤] المدارك ١: ٢٧.
[٥] مصابيح الأحكام: ١٢.