جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٩ - الماء طاهر مزيل للحدث و الخبث
..........
[الطريق الثاني]: نعم، هنا مسلك آخر لإفادته التطهير لا من جهة الوضع اللغوي، فيقال: إنّه لمّا كان مثل ذلك موضوعاً للمبالغة الحاصلة من التكرار كضروب- فإنّه لا يقال إلّا بعد حصول التكرار- و كانت صفة الطهارة الشرعية غير قابلة للزيادة و النقيصة كان معنى المبالغة منصرفاً إلى المطهّرية حتى يكون لها وجه مناسب.
و قد ارتكب هذا الطريق جماعة، بل ربّما أضافوه إلى النقل عن اللغة، و ليس هذا من باب إثبات اللغة بالاستدلال، بل هو إثبات المراد باللفظ بواسطة الفهم العرفي، من قبيل حمل اللفظ على أقرب المجازات بعد تعذّر الحقيقة.
قال الزمخشري- على ما نقل عنه- في الكشّاف: «طهوراً أي بليغاً في طهارته، و عن أحمد بن يحيى: هو ما كان طاهراً في نفسه مطهّراً لغيره، فإن كان ما قاله شرحاً لبلاغته في الطهارة كان سديداً، و يعضده قوله تعالى: (وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [١]، و إلّا فليس فعول من التفعيل في شيء» [٢] انتهى.
و قال في المُغرب- على ما نقل عنه-: «و ما حكي عن ثعلب- أنّ الطهور ما كان طاهراً في نفسه مطهّراً لغيره- إن كان مراده [زيادة] [٣] بيان لنهايته في الطهارة فصواب حسن، و إلّا فليس فعول من التفعيل في شيء، و قياس هذا على ما هو مشتق من الأفعال المتعدّية كقطوع و منوع غير سديد» [٤] انتهى.
و عن الطراز: «أنّ فعولًا ليس من التفعيل في شيء، و قياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدّية كمنوع و قطوع غير سديد، إلّا أن يكون المراد بذلك بيان كونه بليغاً في الطهارة فهو حسن صواب؛ إذ كانت الطهارة بنفسها غير قابلة للزيادة، فمرجع الزيادة إلى انضمام التطهير، لا أنّ اللازم قد صار متعدّياً» [٥] انتهى.
قال السيد المهدي في المصابيح: «فهؤلاء و هم عمدة القائلين بخروج التطهير عن معنى الطهور اعترفوا بدلالته عليه باللزوم من جهة المبالغة، و لعلّ غيرهم لا يمنع ذلك، فإنّ الدلالة بهذا الوجه ليس لدخوله في الموضوع له، فلا ينافي القول بخروجه عنه» [٦] انتهى.
قلت: قد يظهر بعد التأمّل في كلام هؤلاء أنّ مرادهم- بعد معرفة كون الماء بهذا الوصف الذي لم يخالف فيه أحد من المسلمين، بل هو من جملة ضروريات الدين- [أنّه] يحمل لفظ الطهور المراد منه المبالغة عليه بعد تعذّر المعنى الحقيقي، لا أنّه لو لم يعلم كون الماء بهذا الحال و اطلق لفظ الطهور عليه مع عدم تسليم كونه بمعنى المطهّر يستفاد منه ذلك من جهة المبالغة التي لا تصحّ بدونه، و المفيد تسليمه إنّما هو الثاني لا الأوّل، فتأمّل جيّداً.
[١] الأنفال: ١١.
[٢] الكشّاف ٣: ٩٥.
[٣] من المصدر.
[٤] المغرب: ٢٩٥.
[٥] نقله في مصابيح الأحكام: ١٤.
[٦] مصابيح الأحكام: ١٤.