جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٨ - الماء طاهر مزيل للحدث و الخبث
..........
و عن المصباح المنير، قال: «و طهور، قيل: هي مبالغة و أنّه بمعنى طاهر، و الأكثر أنّه لوصف زائد، قال ابن فارس: [قال ثعلب:] الطهور هو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره، و قال الأزهري: الطهور في اللغة هو الطاهر المطهّر ... و قوله (عليه السلام): «هو الطهور ماؤه»، أي هو الطاهر المطهّر، قاله ابن الأثير» [١].
و في القاموس: «الطهور المصدر و اسم ما يتطهّر به أو الطاهر المطهّر» [٢] انتهى.
و عن الزمخشري: أنّه حكاه عن أحمد بن يحيى [٣]، و عن المُغرب: أنّه حكاه عن ثعلب [٤].
و في المصابيح- للسيد المهدي-: «أنّ المشهور بين المفسّرين و أصحاب الحديث و الفقهاء و أئمّة اللغة أنّه بمعنى المطهّر أو الطاهر المطهّر» [٥] انتهى. فظهر لك من جميع ما ذكرنا: أنّه لا ينبغي الشكّ في استعمال طهورٍ في ذلك [أي المطهّر].
فما نقل عن أبي حنيفة و الأصم و أصحاب الرأي [٦] من إنكار ذلك و جعله بمعنى الطاهر لا غير، مستدلّين:
١- بأنّ «فعول» الذي للمبالغة لا يكون متعدّياً.
٢- و بوروده لهذا المعنى كما في قول الشاعر: «ريقهنّ طهور»، و قوله تعالى: (وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً) [٧].
غير صحيح؛ لما عرفت، على أنّ ذلك لا ينافي ما ذكرنا أيضاً؛ إذ كما أنّ استعماله بمعنى فاعل على تقدير تسليمه غير مطّرد، فإنّه لا يقال: ثوب طهور و خشب طهور و نحو ذلك، فكذا ما نحن فيه [أي استعماله بمعنى المطهّر]، فتأمّل.
نعم، قد يقال: إنّه توقيفي لا يقتضيه القياس من جهة أنّ «فعول» الذي هو للمبالغة لا يكون متعدّياً و اسم الفاعل منه غير متعدٍّ، و لا ريب أنّ «طاهراً» لا يتعدّى.
و من هنا اعترف في المعتبر و كنز العرفان [٨]: أنّ كلام أبي حنيفة موافق لمقتضى القياس اللغوي غير موافق لمقتضى الاستعمال؛ لما عرفت. و ما في التهذيب- بعد أن أورد الدليل لأبي حنيفة من أنّه لا يكون «فعول» متعدّياً و الفاعل منه غير متعدٍّ- قال: «إنّه غلط؛ لأنّا وجدنا كثيراً ما يعتبرون في أسماء المبالغة التعدية و إن كان اسم الفاعل منه غير متعدٍّ، أ لا ترى إلى قول الشاعر:
حتى شآها كَلِيلٌ مَوْهِناً عَملٌ * * * باتتْ طِراباً و باتَ الليلَ لم ينَمِ
فعدّى «كليل» إلى «موهناً» و كان اسم الفاعل منه غير متعدٍّ، و هذا كثير في كلام العرب» [٩] انتهى.
و لعلّه لا ينافي ما ذكرنا؛ لكون مثل ذلك- بعد تسليم أنّه ممّا نحن فيه- لا يثبت أنّه قياسي، و كيف! و هو من المعلوم أنّ «فعولًا» للمبالغة في مادة فاعل، فهو تابع له.
[١] المصباح المنير: ٣٧٩.
[٢] القاموس المحيط ٢: ٨٢.
[٣] الكشّاف ٣: ٩٥. و ثعلب هو لقب أحمد بن يحيى.
[٤] المغرب: ٢٩٥.
[٥] مصابيح الأحكام: ١٢.
[٦] المجموع ١: ٨٤.
[٧] الدهر: ٢١.
[٨] المعتبر ١: ٣٦. كنز العرفان ١: ٣٨.
[٩] التهذيب ١: ٢١٥.