جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣١٩ - الأسآر المكروهة
[و كيف كان] فالمتّجه حينئذٍ أنّه لا يحكم على المجهولة بكراهة و لا عدمها بالخصوص (١)، بل قد يقال بعدم الكراهة في الحكم الظاهري (٢).
(١) و ما يقال: إنّ الشارع اشترط في نفي الكراهة كونها مأمونة، يدفعه: أنّه كما اشترط ذلك في المنطوق، اشترط في المفهوم كونها غير مأمونة.
نعم، قد يقال: إنّ الروايات [١] قد نهت عن الوضوء بسؤر الحائض مطلقاً، أقصى ما هناك خرجت المأمونة عن هذا الإطلاق فيبقى الباقي [أي المتّهمة و المجهولة]، مع أنّ فيه بحثاً ذكرناه في غير المقام، و إن كان هو لا يخلو من قوّة.
(٢) ١- لأصالة البراءة.
٢- و استصحاباً لحال الماء، فإنّ احتمال المأمونيّة كافٍ في جريانه، و ليس من الاستصحاب المثبت؛ إذ ليس المقصود منه إثبات المأمونية. كما أنّ كون الشرط لعدم الكراهة أمراً وجودياً و هو المأمونة- غير قادح في ذلك، بل يكون حينئذٍ كاحتمال الكرّية في حفظ طهارة ما لا يعلم حاله هل هو كرّ أو لا؟ فتأمّل.
و عن بعضهم كالشيخ في المبسوط و علم الهدى في المصباح [٢]: أنّهما أطلقا الحكم بكراهة سؤر الحائض من غير تقييد. و كأنّه للأخبار المعتبرة المستفيضة الناهية عن الوضوء بسؤر الحائض من غير تقييد، و هي كثيرة ٣.
لكن فيه: أنّها لا تعارض المقيّد- كما بُيّن في محلّه- مثل:
١- قول أبي الحسن (عليه السلام)- في خبر علي بن يقطين: في الرجل يتوضّأ بفضل الحائض-: «إذا كانت مأمونة فلا بأس» [٤].
٢- و قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) لمّا سأله العيص بن القاسم- على ما عن رواية الشيخ له- عن سؤر الحائض: «توضّأ منه، و توضّأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة، و تغسل يديها قبل أن تدخلهما الإناء ... إلى آخره» [٥].
و المناقشة [في الرواية] باحتمال جعل القيد [المأمونة] للأخير [أي الجنب] كما في رواية الكليني- مع أنّه أضبط-؛ فإنّ فيها: «لا تتوضّأ من سؤر الحائض و توضّأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة ... إلى آخره» [٦].
مدفوعة: بأنّها غير ممكنة؛ لاشتمالها على الأمر بالوضوء من سؤر الحائض، و بدون التقييد [بالمأمونة] لا معنى له [الأمر بالوضوء]. نعم، قد يقال: إنّ رواية الكليني لا ردّ بها على الشيخ و المرتضى، بل هي دليل لهما؛ إذ هي صريحة أو كالصريحة في عدم ١/ ٣٨٠/ ٦٨٢
اعتبار القيد.
و فيه- بعد التسليم-: أنّه لا ريب في رجحان الأوّل؛ لأنّ هذه الرواية- مع أنّ الشيخ قد رواها كما سمعت- معارضة بما سمعت من خبر ابن يقطين المعتضد- مع الأصل- بالشهرة العظيمة بين الأصحاب، و بما رواه عن الصادق (عليه السلام): «أنّ سؤر الحائض لا بأس أن يتوضّأ منه إذا كانت تغسل يديها»، فلا ريب أنّ الأقوى ما عليه المشهور.
[١] ١، ٣ انظر الوسائل ١: ٢٣٦، ب ٨ من الأسآر.
[٢] المبسوط ١: ١٠. و حكاه في المعتبر عن مصباح السيّد ١: ٩٩.
[٤] الوسائل ١: ٢٣٧، ب ٨ من الآسار، ح ٥.
[٥] الاستبصار ١: ١٧، ح ٣١.
[٦] الكافي ٣: ١٠، ح ٢. الوسائل ١: ٢٣٤، ب ٧ من الأسآر، ح ١.