جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٦ - تنقيح القاعدة في الشبهة المحصورة
..........
لا يقال: إنّ أصل البراءة يعارض ما ذكرت.
لأنّا نقول:
أ- إن اريد به التمسّك بالبراءة عنهما جميعاً بتقريب ردّه إلى شبهة الحكم، فيقال: إنّ هذا موضوع جديد لا نعرف حكمه عند الشارع. ففيه: أنّه يرجع إلى دعوى أنّ الاشتباه العارضي للشخص مسقط للتكليف الناشئ عن صفة لاحقة للعين لم يعلم اضمحلالها بالاشتباه، و هو موقوف على دليل غير أصل البراءة؛ لانقطاعه بما دلّ على بقاء التكليف الأوّل من الاستصحاب و غيره.
و ما يقال من أنّا نمنع حرمته و نجاسته ما لم نعلم حرمته و نجاسته؛ إذ اتّصاف الأعيان بالحلّ و الحرمة و الطهارة و النجاسة إنّما يرجع إلى ملاحظة فعل المكلّف، و إن كانت الحكمة الباعثة للحكم كامنة في تلك الأعيان، فالأعيان و إن اتّصفت بذاتها من جهة تلك الحكمة بالحرام و النجس مثلًا من دون تقييد بالعلم و الجهل، و لكن اتّصافها بهما من جهة ملاحظة إضافة فعل المكلّف إليها لا يكون إلّا في صورة العلم.
يدفعه: أنّه- على تقدير تسليمه- إن اريد بالعلم العلم [التفصيلي] بالخصوص، فدعوى توقّف الاتّصاف بالحرمة بالنسبة إلى فعل المكلّف عليه، ممنوعة. و إن اريد و لو إجمالًا مع إمكان الامتثال فهو مسلّم، و المقام منه. و ما يقال بالمعارضة بالمشتبه الغير المحصور، فضعيف؛ إذ قد عرفت أنّه لا مانع منه بعد قيام الدليل عليه، و قد قام فيه من جهة أدلّة العسر و الحرج القاضية بعدم مشروعية ما كان فيه ذلك، و حينئذٍ يسقط الحكم التكليفي، و يبقى الحكم الوضعي من الفساد و نحوه، مع احتمال القول بسقوطه، لكنّه بعيد.
ب- و إن اريد بأصل البراءة إنّما هو البراءة عن واحد منهما فللمكلّف أن يختار أيّهما شاء. ففيه: أنّه لا معنى له بعد ما عرفت من بقاء التكليف بالفرد الغير المعيّن عند المكلّف؛ للاستصحاب أو شمول الدليل، مع أنّ براءة الذمّة في واحد منهما كانت منتقضة؛ إذ الفرض أنّه نجس معلوم سابقاً إن اريد بالأصل فيها بمعنى الاستصحاب، و إن اريد به القاعدة أو الظاهر، فهما لا يعارضان ما ذكرنا من بقاء التكليف.
و ما يقال: إنّا نتمسّك بالاستصحاب أي استصحاب الطهارة؛ إذ الفرض أنّ أحدهما طاهر. يدفعه: أنّه لا معنى للاستصحاب في خصوص المقام؛ لأنّه إن اريد به استصحاب طهارته على الإجمال فهو حقّ و لا يفيده، بل هو غير محتاج إليه، و إن اريد به التمسّك في خصوص كلّ واحد منهما فهو لا معنى له؛ لعدم معرفة حصول الأمر المستصحب فيه حتى يستصحب.
فإن قلت: أيّ مانع من الاستصحاب مع كون الإناء الذي كنت تعلم نجاسته سابقاً مسبوقاً أيضاً بطهارة؟ فللمتمسّك حينئذٍ أن يقول في طهارة كلّ واحد منهما: إنّ هذا كان طاهراً و لم أعلم الآن فيه بالنجاسة، فليكن باقياً على الطهارة الاولى.
قلت: لا يخفى على من لاحظ أدلّة الاستصحاب و موارده، أنّ محلّه الشيء الذي يعلم حاله سابقاً إلى آن حصول الشكّ، فيتمسّك فيه حينئذٍ باستصحاب تلك الحالة المعلومة وقت الشكّ، و هذا المعنى مفقود؛ و ذلك لأنّ الفرض أنّ الحال الأوّل الذي كان قبل حصول الاشتباه غير معلوم لنا في كلّ واحد منهما، و معرفة الحال الذي قبل الحال السابق على الاشتباه غير مفيد بعد تخلّل هذه الفترة. فلا يسوغ حينئذٍ أن يقال: هذا كان طاهراً؛ لأنّه إن اريد به الكون قبل عروض الاشتباه فهو لا معنى له، إذ ليس معلوماً أنّه طاهر، و إن اريد به الزمان السابق على ذلك فلا معنى لاستصحابه كما عرفت.