جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٠٦ - ما ينزح له عشر دلاء
..........
قلت: هو كلام جيد متّجه، إلّا أنّ مقصود الشيخ أنّه باعتبار استقراء الأخبار الواردة في نزح البئر يستفاد قصد جعله مميّزاً جارياً مجرى تمييز العدد، فإن تمّ ذلك كان الحقّ مع الشيخ، و إلّا كان الحقّ مع المحقّق، و الظاهر تمامه. و مثله يلتزم في باب الإقرار حيث يعلم من قصد المقرّ جعل ما ذكر تمييزاً مصطلحاً، كما فرّعوا على ذلك فروعاً كثيرة من جهة الإعراب و الجمعية و الإفراد و نحوهما. فمثلًا إذا قال القائل: «له عليّ درهماً»- بالإفراد و النصب- يلتزم بأحد عشر؛ لأنّه أقلّ عدد يصلح لأن يكون هذا مميّزاً له، فلاحظ و تأمّل.
إلّا أنّه قد عرفت من ذلك أنّه ليس مقصود المحقّق الإطلاق من حيث هو، فلا يتّجه ردّ صاحب المدارك على العلّامة، و كذلك قول العلّامة في ردّه: «إنّ فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة» [١]؛ لعدم العلم بها فضلًا عن التأخير عنها، و الاصول لا تفيد ذلك. على أنّه وارد عليه نفسه؛ لصلاحية كون هذا الجمع [ «دلاء»] مميزاً للثلاثة إلى العشرة، و تعيين ذلك بالمقدّمة ليس بأولى من ارتكاب شيء آخر لأجل المقدّمة يوافق قول المحقّق (رحمه الله) من نزح الجميع أو غيره. و كأنّ مراد العلّامة بالأقلّ [في قوله: «أقلّ ما يصلح»] الأكثر، كما عن بعض نسخ المنتهى. و قد عرفت أنّ أصالة البراءة لا يمكن التمسّك بها هنا؛ لوجوب الاحتياط، فلا يرد حينئذٍ عليه ما في المدارك [من عدم تعيّن العشرة]. بل قد يظهر من المنتهى تعيين إرادة العشرة هنا من وجه آخر، و هو: أنّ لفظ «دلاء» جمع كثرة، و أقلّ أفراده العشرة، فيحصل الامتثال. كما لعلّه ظاهر المحكيّ عنه في المختلف ٢، و إن عبّر بأنّ أقل أفراده ما زاد على العشرة، فإنّ مقصوده العشرة فما زاد.
لكن فيه:
١- مع ما عرفت من أنّه لا فرق بين جمع القلّة و الكثرة في ذلك.
٢- أنّه موقوف على كون العشرة من أفراده، فإنّ الظاهر- على ما في بالي من عبارة المصرّح بالفرق-: أنّ العشرة منتهى أفراد جمع القلّة، و أنّه لا يصدق عليها جمع الكثرة، و أنّ بينهما تبايناً، لا عموماً و خصوصاً من وجه.
٣- على أنّ في كون «دلاء» جمع كثرة كلاماً و إن أمكن تأييده بقوله: «يسيرة»، فتأمّل.
و أمّا ما نقل عن المفيد [٣] من الخمس دلاء، فلم نعثر له على شاهد كما اعترف به بعضهم ٤، و قد يكون أخذه من جهة أنّ «دلاء» جمع قلّة و منتهى أفراده العشرة، و قد قيّده الإمام (عليه السلام) ب«اليسيرة» في ذلك، و المتيقّن من «اليسيرة» بالنسبة إلى ذلك النصف، و هو الخمس. لكنّه- كما ترى- شكّ في شكّ. كالمحكي عن المرتضى (رحمه الله) من أنّه ينزح للدم من دلو واحد إلى العشرين [٥] من غير تفصيل؛ إذ هو- على احتماله إلّا على وجه ضعيف جدّاً- لم نعرف له مستنداً، و لا يوافقه قول الصادق (عليه السلام) في خبر زرارة: «في القطرة من الدم ينزح عشرون» [٦]. و لمكان كون هذه الرواية مخالفة لما عليه الأصحاب أمكن حملها على الاستحباب، و إن لم نعثر على قائل به.
نعم، نقل عن المقنع أنّه قال: «و إن قطر في البئر قطرات من دم فاستق منها عشر أدلٍ»، ثمّ [قال:] «إن وقع في البئر قطرة [٧] أو خمر أو ميتة أو لحم خنزير فانزح منها عشرين دلواً» [٨] و هو مضمون خبر زرارة.
[١] ١، ٢ المنتهى ١: ٨١. المختلف ١: ١٩٩.
[٣] ٣، ٤ المقنعة: ٦٧. كشف اللثام ١: ٣٣٦.
[٥] حكاه في المعتبر ١: ٦٥.
[٦] الوسائل ١: ١٧٩، ب ١٥ من الماء المطلق، ح ٣، نقلًا بالمعنى.
[٧] في الجواهر زيادة: «من بول أو».
[٨] المقنع: ٣٤.