جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٦ - الثالث إذا لم يقدّر للنجاسة
..........
و ثانياً: قد يدّعى الأولوية في المقام، فإنّه إذا اكتفي فيما قدّر له الجميع بالتراوح فليكتف في غيره ممّا لم يعلم تقديره به بطريق أولى. نعم، لمّا كان من المحتمل نزح الجميع أوجبناه للمقدّمة، فليقم التراوح مقامه، كما لو كان مقطوعاً به، بل هو أولى [١].
و قيل- و نسبه في كشف اللثام إلى ابن حمزة و إلى الشيخ في المبسوط [٢] و إن احتاط بالجميع- بوجوب نزح الأربعين؛ لقولهم (عليهم السلام): «ينزح منها أربعون و إن صارت مبخرة» [٣]. و هي مع عدم العلم بصدرها لا جابر لسندها، و مجرّد ذكر الشيخ لها في المبسوط غير كافٍ، إذ لعلّه وهم فيها، بل الظاهر أنّه كذلك؛ لموافقتها لرواية كردويه- التي ستسمعها- المتضمّنة للثلاثين. و ربّما احتجّ لهذا القول بالأخبار الدالّة على طهارة البئر بالتغيّر بنزح ما يزيل التغيّر خاصّة، و عدم وجوب نزح الماء كلّه [٤]، فإذا لم يجب نزح الجميع مع التغيّر فمع عدم التغيّر بطريق أولى، فمتى انتفى وجوب نزح الجميع دار الأمر بين القولين الآخرين و هما الثلاثون و الأربعون، و لمّا كان الجزم لم يحصل بالثلاثين تعيّن الأربعون.
و فيه: منع الأولوية أوّلًا، و إلّا لزم أن تحكم هذه الأخبار على سائر ما ذكر على التقدير من الجميع و غيره إذا كان يحصل ما يزول به التغيير بدون التقدير، و هذا و إن ذهب إليه بعضهم فيما تسمع [٥] إن شاء اللّٰه، لكن الأقوى خلافه.
و ثانياً: هذه الأخبار كلّها مبنية على القول بالطهارة في الظاهر، فلا يتمسّك بها في المقام، و ستسمع أنّ كثيراً من القائلين بالنجاسة حكّموا غيرها عليها.
و ثالثاً: ما ادّعاه من الانحصار في الأقوال الثلاثة [نزح الجميع و الأربعين و الثلاثين] إن كان المقصود منه تحصيل الإجماع المركّب منها، ففيه: لا إجماع في المقام، و لذلك احتمل بعضهم [٦] أنّه يقدّر التغيّر، ثمّ ينزح إلى زواله. و إن لم يكن المقصود منه الإجماع فلا يفيده.
و رابعاً: ما ذكره في الاستدلال لهذا القول لا يصلح لأن يكون له دليلًا في نفسه، بل هو متمسّك لنا على صحّته، من جهة عدم العلم بدليل قائله و إلّا فلا معنى لقوله: «لم يحصل الجزم بالثلاثين فيتعيّن الأربعون»، و بعد معرفة دليل صاحبه و بطلانه لا معنى لذلك.
و الحاصل: لا إشكال في أنّه على تقدير نجاسة البئر أنّ هناك نجاسات قدّر لها الشارع نزح الجميع كالبعير و صبّ الخمر، و نجاسات قدّر لها الشارع دون ذلك، فالنجاسة الغير المنصوصة يحتمل كونها من الاولى، و يحتمل كونها من الثانية، فاليقين لا يحصل إلّا بنزح الجميع.
[١] في هامش المطبوعة ورد ما يلي: «لا يقال: إنّ نزح الجميع غير مقتضٍ للقطع بجواز استعمال الماء أيضاً؛ لعدم ثبوت طهارة البئر نفسه بذلك. لأنّا نقول: إنّ الإجماع منعقد بحسب الظاهر أنّه ليس وراء نزح الجميع شيء و أنّ أرض البئر تطهر تبعاً كما تطهر حيث يكون المقدّر الجميع. و بالجملة، حاله حال ما قدّر له الجميع»، (منه (رحمه الله)).
[٢] كشف اللثام ١: ٣٥١.
[٣] الوسائل ١: ١٩٢، ب ٢٠ من الماء المطلق، ح ٤.
[٤] انظر الوسائل ١: ١٨٣، ب ١٧ من الماء المطلق.
[٥] يأتي في ص ٢٣٠.
[٦] المدارك ١: ١٠٠.