جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨٧ - حكم الماء المستعمل في إزالة الخبث
..........
و لقد أجاد المقدّس البغدادي في محصوله حيث أنكر دلالة مثل الشرط الذي يراد العموم من منطوقه على المفهوم كقوله:
«متى تأته تعشو إلى ضوء ناره» و «حيث ما تراه تجده مشغولًا» و نحوهما. و إن كان هو في بعض المواضع لا يخلو من نظر، و مع ذلك فالشكّ كافٍ في المطلوب.
و من هنا ظهر لك وجه ما وقع من بعضهم [١] من منع كلّية الكبرى في المقام مع استدلالهم بالمفهوم على نجاسة الماء القليل؛ و ذلك لأنّه لا كلام في كون هذه الأخبار دالّة على التنجيس بغير التغيّر، فيستدلّ بها حينئذٍ على المنكر لذلك كابن أبي عقيل، و أمّا أنّ التنجيس بكلّ شيء و على أي حال فلا دلالة فيها، و من هذه الجهة اتّجه لهم منع كلّية الكبرى.
نعم، قد يقال: إنّ المتتبّع لكثير من الأخبار مضافاً إلى حكاية الإجماعات هناك على النجاسة يستفيد قاعدة و هي: أنّ ماء القليل ينجس بالملاقاة.
لكن ذلك معارض بأنّه أيضاً يستفاد- من تتبّع الأخبار و كثير من الإجماعات في غير المقام- قاعدة، هي: أنّ المتنجّس لا يطهّر، بل [يستفاد] ممّا دلّ على نجاسة القليل نفسه؛ لأنّ معناها لا ترفع حدثاً و لا تزيل خبثاً. مضافاً إلى ظهور كون الماء طهوراً- المراد به الطاهر في نفسه المطهّر لغيره- في طهارته حال مطهّريته، فتأمّل جيّداً؛ فإنّه دقيق جدّاً.
و دعوى أنّه لم يعلم كونها [قاعدة أنّ المتنجّس لا يطهّر] شاملة لمثل المقام، ليس بأولى من دعوى أنّه لم يعلم شمول القاعدة الاولى [و هي أنّ القليل ينجس بالملاقاة] له.
على أنّ القاعدة لا يلاحظ دليلها الدالّ عليها في خصوص كلّ مورد، و إلّا لم تكن لها ثمرة. فما وقع من بعض متأخري المتأخرين- من منع شمول عدم تطهير المتنجّس لمثل المقام إنّما المعلوم في المتنجّس سابقاً لا فيما حصل التطهير به؛ لعدم حصول الإجماع في المقام- ليس في محلّه، و ليس بأولى من تقريره أيضاً في الماء القليل حرفاً بحرف، بعد أن عرفت فساد دلالة المفهوم [على نجاسة القليل بكلّ شيء].
و ربّما يرشد إلى عدم النجاسة بالورود ما في كشف اللثام في المطهّرات في شرح قول العلّامة: «ينبغي في الغسل الورود، فلو عكس نجس الماء و لم يطهر المحل»، قال- بعد أن نسب اشتراط الورود للمرتضى و ابن إدريس-: «و إنّما لا ينفعل مع الورود للحرج و الإجماع» [٢] انتهى.
اللّهمّ إلّا أن يحمل منه ذلك على عدم نجاسة العالي بالسافل، و فيه بُعد أو منع. أو على أنّ ماء الغسالة ما انفصل من المغسول دون ما كان فيه. و قد يقال أيضاً: إنّ الماء المغسول به يتنجّس بأوّل المباشرة فهو بالنسبة الى الأجزاء الاخر متنجّس سابق، فتأمّل جيّداً.
و لا ينافي ما ذكرنا من القاعدة خروج أحجار الاستنجاء، و إلّا لنافى قاعدة [نجاسة] القليل [بالملاقاة] خروج ماء الاستنجاء و غيره. على أنّ التطهير بأحجار الاستنجاء إنّما هو يكون المراد بزوال العين بها نحو زوالها مثلًا في الحيوان، و فرق واضح بينه و بين التطهير بالماء.
[١] الروض: ١٥٨.
[٢] كشف اللثام ١: ٤٧٩- ٤٨٠.