جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥٠ - تقدير الكرّ بحسب الوزن
..........
و احتمال القول بأنّ الأصل عدم سعة الأزيد معارض بأصالة عدم امتلائه بذلك. و من هنا يظهر أنّه لا معنى للقول بأنّه موضوع يكتفى في إثباته بالظنّ.
و احتمال القول بأنّ المراد بالكرّ هو ما لا يقبل النجاسة و نحوها من الأحكام، و مثل هذه يثبت بمثل هذه الاصول، و ليس هو من الموضوع بل هي أحكام صرفة، في غاية الضعف؛ لمنافاته لظاهر الأخبار كقوله (عليه السلام): «قدر كرّ» [١] و «الكرّ ... ألف و مائتا رطل» ٢ و نحو ذلك. نعم، قد يقتضي الاستصحاب و نحوه- بعد معرفة مقدار الكرّ منه في نفسه- في الماء الذي لا يعرف أنّه كرّ أو لا و قد وقعت فيه نجاسة، لتحقّق مقدار الكرّية فيه. مع أنّ الذي يظهر من بعضهم عدمه أيضاً؛ و كأنّه لأنّ الظاهر من الأدلّة أخذ الكرّية شرطاً في عدم التنجيس، و هو لا يثبت باستصحاب الطهارة و نحوها. لكن قد عرفت سابقاً أنّ احتمال الكرّية كافٍ في بقاء استصحاب طهارته، فلا حاجة للحكم بها. و لعلّه المراد من قولهم: إنّ الاستصحاب لا يثبت الموضوع، و إلّا فلا ريب في إثبات استصحاب الموضوع.
و في الرابع: أنّ الاحتياط معارض بمثله حيث يكون موجوداً غيره.
و في الخامس: أنّ المدني أقرب لرواية أبي بصير [٣] الذي عمل بها المشهور، و هو الثلاثة و نصف.
و أمّا [السادس، و هو] القول بأنّ الأقلّ متيقّن، و الزائد مشكوك فيه، فيجب نفيه بالأصل. ففيه: أنّ غاية ما يمكن توجيهه، أنّ الأقلّ متيقّن اعتباره و اشتراطه في عدم الانفعال، و الأصل إمّا عدم اشتراط الزائد أو براءة الذمّة، و فيه [في هذا التوجيه]:
أ- أنّ الاشتراط إنّما وقع بقوله (عليه السلام): «قدر كرّ» و لم نعلم ما كان مقدار الكرّ، فأيّ معنى لأصالة عدم اشتراط الزائد؟! ب- و أمّا أصل البراءة فلا وجه له إلّا ما ذكرناه سابقاً، و فيه ما عرفت.
و أمّا [السابع، و هو] قوله: إنّ شرط الانفعال القلّة، ففيه: أنّه قد يقال: إنّ الأمر بالعكس؛ فإنّ مقتضى قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء ... إلى آخره» [٤] اشتراط عدم الانفعال بالكرّ، و هو غير معلوم، فيبقى ما دلّ على نجاسة الدم و ما يلاقيه على عمومه أو إطلاقه، قصارى ما هناك خروج الكرّ و هو غير معلوم.
فالعمدة في المقام هو ما قدّمناه أولًا [أي المرسلة] ٥ بضميمة الشهرة، و لعلّها تكون جابرة لدلالة المرسلة إن قلنا: إنّها تجبر الدلالة. لكن جبرها للدلالة بحيث تكون معيّنة لأحد معنيي المشترك أو صرف الحقيقة و نحو ذلك محل تأمّل؛ إذ عليه يلزم عدّها من المخصّصات و المقيّدات و نحو ذلك. و لعلّ التفصيل- بأنّها حيث تعارض ظاهر دليل كعموم و إطلاق و حقيقة و نحو ذلك لا تثمر، بخلاف ما لم تعارض كتعيين أحد معنيي المشترك كما في المقام- لا يخلو من قوّة.
و ممّا ذكرنا يستفاد ما يصلح مؤيّداً للقول بالمدني كما هو المنقول عن المرتضى [٦] و غيره، فلا حاجة إلى ذكره.
[١] ١، ٢، ٥ الوسائل ١: ١٦٧، ب ١١ من الماء المطلق، ح ١.
[٣] الوسائل ١: ١٦٦، ب ١٠ من الماء المطلق، ح ٦.
[٤] الوسائل ١: ١٥٨، ب ٩ من الماء المطلق، ح ١، ٢، ٦.
[٦] الناصريات: ٦٨.