جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٢ - الثاني اختلاف أنواع النجاسة
نعم، ينبغي تقييده بما إذا لم يكن فرض أحدهما نزح الجميع و لو كان من جهة غير المنصوص (١).
(١) لأصالة عدم تداخل الأسباب المستفادة من ظاهر الأوامر و الاستصحاب.
خلافاً للمنتهى، فإنّه قرّب التداخل؛ محتجّاً بأنّه بفعل الأكثر يمتثل الأمرين فيحصل الإجزاء، و النيّة غير معتبرة [١].
و هو مصادرة؛ و كون علل الشرع معرّفات و علامات فلا استحالة في اجتماعها على معلول واحد لا يقتضي ذلك؛ لأنّا و إن لم نقل: إنّها علل حقيقية، إلّا أنّ الظاهر جريانها مجرى العلل الحقيقية حتى يعلم خلافه.
لا يقال: لِمَ لمْ يكن محل الفرض من غير المنصوص فينزح له الجميع؛ لكون النجاسة الحاصلة من الجميع غير النجاسة الحاصلة من كلّ واحد وحده؟ لأنّا نقول:- مع كونه واضح البطلان في المقام و غيره- ما دلّ على نزح المقدّر للنجاسة المخصوصة شامل لما إذا كان معها غيرها من النجاسات أو لا، و ليس مشروطاً ذلك المقدّر بما إذا لم يكن في البئر غير تلك النجاسة، بل هو تقدير له من حيث نفسه و غيره يبقى على مقتضى الدليل فيه.
فإن قلت: بناء على القول بأنّ النزح للتطهير لا معنى للقول بعدم التداخل؛ و ذلك لأنّه على تقديره حيث ينزح لأحدهما دون الآخر يكون البئر طاهراً نجساً، مثلًا: إذا وقع في البئر بول و عذرة مذابة مثلًا ثمّ نزح أربعون يكون قد طهر من هذه الجهة و هو نجس من الجهة الثانية، و هو غير معقول بالنسبة للطهارة و النجاسة. و من هنا التجئوا للقول بالتداخل في سائر النجاسات على الثوب أو على البدن، سواء تعدّد الغسل لبعضها كالبول أو لا. و أيضاً لو كان وقوع النجاسة متعاقباً فلا ريب في عدم تأثير الثاني النجاسة؛ لكونه تحصيل حاصل و هو محال، و إذا كان لم يؤثّر نجاسة لا معنى لأن ينزح له، فإنّ معنى ما دلّ على وجوب النزح له ظاهر في كونه من جهة أنّه ينجّس البئر، فلا يشمل مثل ذلك.
قلت: لا مانع من ارتفاع النجاسة من جهة دون اخرى كارتفاع الحدث من جهة الجنابة مثلًا دون المسّ.
و ما ذكره في حال النجاسات على البدن و نحوه حالها حال ما نحن فيه، إلّا أن يدلّ دليل على خلافه، و الظاهر تحقّقه فيها دونه، و ليس المقتضي للقول بالتداخل فيها هو ما ذكره، بل من جهة أنّهم فهموا من الأدلّة هناك أنّ المراد غسل النجاسة.
و أيضاً بعد وقوع أنواع النجاسة يكون في الحقيقة المقدّر لها مجموع التقادير، فتكون حينئذٍ كالنجاسة المتّحدة التي لها مقدّر، فالطهارة لا تحصل إلّا بالتمام، فلا يكون طاهراً من جهة نجساً من اخرى.
و أمّا ما ذكره أخيراً، ففيه: أنّه نفي للتداخل من رأس، و يقين [٢] النزح للواقع أوّلًا دون الأخير سواءً كان المقدّر له أوّلًا أقلّ أو أكثر أو مساوٍ، و قد عرفت أنّ الدليل شامل بإطلاقه للنزح المقدّر سواءً كان هناك شيء آخر واقع قبله أو لا.
فإن قلت: إذا كانت النية غير معتبرة، فحينئذٍ بما يتشخّص النزح للمنزوح له حتى يقال: إنّه ترتفع النجاسة من جهته و يبقى الآخر؟ مثلًا: إذا وقع في البئر أرنب و ثعلب ثمّ نزح منها أربعون لم يشخّصها لأحدهما، و لا معنى للقول بارتفاع النجاسة من أحدهما على الإجمال؛ لإبهامه، فلا يصلح لأن يكون متعلّقاً للحكم.
قلت: هذا يؤيّد ما ذكرنا سابقاً من أنّ النجاسة المختلفة بمنزلة الواحدة التي مقدّرها مجموع التقديرين، ففي المثال مثلًا صار مقدّره ثمانين، فلا تطهر إلّا بها، و لا نقول: إنّه طهر من هذه الجهة دون الاخرى، فتأمّل جيّداً.
[١] المنتهى ١: ١٠٧.
[٢] لعلّ الأصح: «و تعيين».