جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٣ - الثاني اختلاف أنواع النجاسة
(و في تضاعفه مع التماثل) كالثعالب و الأرانب و نحو ذلك (تردّد أحوطه التضعيف) لا ينبغي التردّد في عدم التضعيف في المتماثلات بعد فرض تناول دليلها للقليل منها و الكثير، كما إذا وقع في البئر عذرة مذابة مرّات متعدّدة، فإنّه لا إشكال في الاكتفاء بنزح الخمسين (١)، و مثله الدم الكثير (٢)، و أمّا إذا لم يكن الدليل شاملًا للقليل و الكثير فالظاهر عدم التداخل (٣)، و مع ذلك كلّه لا يخلو القول بالاكتفاء من قرب (٤).
(١) لشمول الدليل.
(٢) لا يقال: إنّه بالوقوع الأوّل قد اشتغلت الذمّة بنزح الخمسين، و الوقوع الثاني لا يخلو إمّا أن يشغل الذمّة بالأوّل، أو لا يشغلها بشيء، أو يشغلها بأمر آخر غير الأوّل، لا معنى للأوّل؛ لكونه تحصيل حاصل، و لا للثاني؛ لشمول الدليل له، و الثالث خلاف المقصود.
لأنّا نقول: الدليل لمّا دلّ على أنّ العذرة المذابة ينزح لها خمسون، و كانت العذرة المذابة ماهية صادقة على القليل و الكثير، و شغل الذمّة بالوقوع الأوّل- لمكان صدق الماهية- و جاء الوقوع الثاني، انقلب الفرد الأوّل إلى الثاني و صار مصداقاً واحداً للماهية، و هكذا كلّما يزداد يدخل تحت قول: «العذرة المذابة ينزح لها خمسون»، و ليس هذا إلّا كتعدّد النوع الواحد من الحدث الأصغر أو الأكبر، كالبول مرّات و الجنابة مرّات، فتأمّل جيّداً فإنّه دقيق.
(٣) للاستصحاب و الأصل المتقدّم [أي عدم التداخل].
و ما يقال: النجاسة من النجس الواحد لا تتزايد؛ إذ النجاسة الكلبيّة و البوليّة موجودة في كلّ جزء، فلا تتحقّق زيادة توجب زيادة النزح.
فيه:- مع مخالفته للأصلين السابقين- أنّا نمنع كون النجاسة من الجنس الواحد لا تتزايد؛ لأنّ كثرة الواقع تزيد مقدار النجاسة، فيزيد شيوعها في الماء، فيناسبه زيادة النزح.
نعم، يمكن أن يقال: إنّا نستظهر من الأدلّة أنّ النزح لماهية الكلب مثلًا، و وقوعه منكّراً في بعض الروايات لا يراد منه مع قيد الوحدة، بل المقصود الجنسية، فيكون حاله كسائر النجاسات الواقعة على البدن أو الثوب من البول و الغائط و غيرهما؛ و لعلّه لذا أو لما تقدّم تردّد المصنّف، و إن كان الأقوى ما ذكرنا. و عدم ظهور إرادة الوحدة من التنكير لا يقضي بظهور إرادة الجنس، و الاستصحاب محكّم.
(٤) لأنّ الاستصحاب موقوف على تحقّق المستصحب أوّلًا، و الكلام فيه، و أصالة عدم التداخل فرع تعدّد الأسباب، و الكلام فيه. و قال في جامع المقاصد- بعد أن اختار عدم التداخل مطلقاً-: «و يستثنى من ذلك اختلاف النجاسة الواقع بالكم، فإنّ الدم الواقع إذا كان قليلًا فوقع بعده ما يخرجه من القلّة إلى حدّ الكثرة وجب منزوح الأكثر خاصّة» [١] و مثله في المسالك [٢]. و هو متّجه إن قلنا بحصول الكثرة بالدفعات، لكنّه لا يخلو من نظر.
و عليه، حينئذٍ لا تداخل فيما إذا وقع دم قليل ثمّ وقع دم كثير بعده، لتعدّد السببين. و كذلك العكس بخلافه على ما ذكراه، فإنّه يلزمهما ذلك.
[١] جامع المقاصد ١: ١٤٧.
[٢] المسالك ١: ٢٠.