جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٩٠ - ما ينزح له كرّ
..........
نعم، هو لا يجري في كلّ مقام؛ إذ من المقطوع به أنّ السيد إذا قال لعبده: «بع» أو «أوجد البيع» و نحو ذلك، لا يجب عليه استغراق جميع أفراد البيع.
و الفرق بينهما: أنّ هذا أمر يحصل امتثاله بالواحد، و ليس وصفاً لاحقاً للطبيعة من حيث هي هي يدور مدارها وجوداً و عدماً، و من هذه الجهة لم يقل العلّامة (رحمه الله) بالعموم في الجميع، بل في بعض دون بعض.
و لا يخفى أنّ ما نحن فيه من قوله (عليه السلام) في الجواب عن الدابة حيث تقع في البئر: «ينزح دلاء» من الأوّل [أي كون الحكم وصفاً للطبيعة]؛ فإنّه في قوّة أن يقول: نزح دلاء للدابة، فحيث توجد هذه الطبيعة، يوجد هذا التقدير لها، و إلّا لم يكن تقديراً لهذه الطبيعة، و التقدير كالتوصيف. و ليس المقصود من هذا الأمر التكليف ليتحقّق الامتثال بالواحد، بل هو من قبيل «اغسل ثوبك من البول» مثلًا، فإنّه ظاهر في أنّ طبيعة البول موجبة لذلك، فحيث توجد يوجد هذا الحكم. و كأنّ هذا المعنى هو مراد العلّامة بالعلّية، أي المناط الذي يوجد بوجودها الشيء، فتأمّل.
ثمّ قال [في المدارك]: «الثالث: قوله: «إنّ الإبل و الثور خرجا بما دلّ بمنطوقه على نزح الجميع فيكون الحكم ثابتاً في الباقي». قلنا: الذي دلّ بمنطوقه على حكم الثور دلّ بمنطوقه على حكم مثله [و هو قوله (عليه السلام): «ثور أو نحوه»]، فإن اقتضى الإخراج في أحدهما اقتضاه في الآخر و إلّا فلا» [١] انتهى.
قلت: محلّ الكلام الآن في الفرس و البقر، أمّا الاولى فليس نحوه قطعاً، و أمّا الثاني فللعلّامة أن يقول كذلك؛ و لذلك لم يعمل به أحد في ذلك المقام، و أيضاً لو أراد ذلك لقال (عليه السلام): «البقر». و على كلّ حال، ف«نحوه» من قبيل المجملات؛ لأنّا لا نعلم ما المراد به، مع احتمال أن يراد به الثور الوحشي.
[قال في المدارك]: «الرابع قوله: «خرج ما استثني بدليل منفصل، فيبقى الباقي لعدم المعارض». قلنا: الاستثناء و الإخراج بدليل إنّما يكون من الألفاظ العامّة أو ما في حكمها؛ لأنّ إطلاق اللفظ و إرادة بعض مدلوله معنى مجازي يصار إليه بالقرينة، و الامور المتعدّدة المدلول على كلّ منها بالمطابقة إذا تعلّق بها حكم واحد، ثبت ذلك الحكم لكلّ منها على انفراده نصّاً، فإذا وجد ما ينافي ذلك في بعض المدلولات تعارض الخبران، و يصار إلى الترجيح لامتناع العمل بهما» ٢ انتهى.
قلت:
١- أمّا مناقشته الاولى فهي مناقشة لفظية؛ لأنّ محصّلها أنّه كيف يطلق لفظ الاستثناء على مثل ذلك، مع أنّه قد يطلق عليه، لا سيّما بعد وضوح القرينة كما هنا.
٢- و قوله: «و الامور المتعدّدة ... إلى آخره» لا ينافي ما ذكره العلّامة؛ إذ مراده أنّه خرج باعتبار رجحان المعارض.
٣- على أنّه يمكن صحّة الاستثناء هنا في الجواب، بأن يقال: ينزح دلاء إلّا للكلب مثلًا فينزح له أربعون.
٤- و أيضاً فالحكم [أي نزح دلاء] هنا ليس متعلّقاً بكلّ واحد بانفراده نصّاً، و المطابقة بين السؤال و الجواب لا تقتضي أزيد من الظهور، فلا يمنع من الاستثناء متّصلًا و منفصلًا.
[١] ١، ٢ المدارك ١: ٧١، ٧٢.