جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨٢ - كيفية تطهير الجاري
[عدم تنجّس العالي بالسافل]:
ثمّ اعلم أنّ الحكم بالنجاسة فيما ذكرنا بسبب الملاقاة للمتغيّر مع تساوي السطوح أو يكون [الملاقي للمتغيّر] هو السافل، و إلّا فلو فرض العكس، بأن كان المتغيّر السافل و الملاقي له العالي، لم ينجس و إن لم يكن كُرّاً (١).
نعم، قد عرفت أنّ المعتبر العلوّ الحسّي لا المادي على الأقوى، فتأمّل جيّداً. كما أنّه يشترط أن يكون علوّاً معتدّاً به، بحيث يقال عند أهل العرف: إنّ أحدهما عالٍ و الآخر سافل، لا متساويين، بل الحكم كذلك في الجاري عن غير مادة، بل كلّ نابع (٢).
[عدم اعتبار تساوي السطوح]:
بقي شيء: و هو أنّ ما اعتبر من تساوي السطوح في الراكد بالنسبة إلى عدم نجاسته بالملاقاة لا يعتبر هنا بالنسبة للجاري، فلا ينجس بالملاقاة و إن اختلفت سطوحه (٣).
[كيفية تطهير الجاري]:
(و يطهر بكثرة الماء)- أي يطهر بهذا [بمعنى أنّه أحد طرق تطهيره]، لا أنّه لا يطهر بغيره، و إلّا فهو يطهر بزوال التغيير و لو بتصفيق الرياح أو بوضع أجسام طاهرة أو بإلقاء ماء أو نحو ذلك كما ستعرف؛ لاتّصاله بالمادة- (الطاهر عليه متدافعاً) من المادة (حتى يزول تغيّره) سواء كان كرّاً أو لا على المختار (٤).
(١) لعدم نجاسة العالي بالسافل و لو كان علوّ انحدارٍ لا تسنّم.
١/ ٩٠/ ٢١٥
(٢) بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، فضلًا عن السيرة القطعية و محكي الإجماع و الأصل و غيره.
(٣) على ما هو الظاهر من كلام الأصحاب؛ لصدق اسم الجاري على الجميع من غير فرق بين السافل و العالي.
بل لعلّه كذلك حتى على ما يقوله العلّامة [١] من اشتراط الكرّية [في الجاري] و إن اعتبر ذلك [التساوي] في الراكد؛ لأنّه أطلق هنا كإطلاق الأصحاب. و لعلّه لأنّه يرى له خصوصية على الواقف و إن شاركه في نجاسة القليل؛ و ذلك لأنّ الغالب في مثله عدم الاستواء، فلو اعتبرت فيه المساواة على حدّ الواقف، لزم الحكم بنجاسة الأنهار العظيمة بمجرّد ملاقاة النجاسة لأوائلها التي لا تبلغ مقدار الكرّ، و هو معلوم الانتفاء، و صدق الجاري عليه عرفاً و إن اختلفت سطوحه كالوحدة. مع احتمال أن يقال: إنّ إطلاقه- هنا- مبنيٌّ على تفصيله الآتي، فتأمّل.
(٤) و مقتضى اشتراط العلّامة الكرّية في الجاري أن لا يطهر المتغيّر منه بما ذكرنا، بل هو إمّا بإلقاء كرّ عليه أو بأن يبقى من غير المتغيّر ممّا هو متّصل بالمادة مقدار كرّ، فيزول تغيّره به و نحو ذلك. و من هنا قال في الروضة: «و جعل العلّامة و جماعة الجاري كغيره في انفعاله بمجرّد الملاقاة مع قلّته، و عدم طهره بزوال التغيير مطلقاً، بل بملاقاة كرّ» [٢]. لكن قال في المنتهى: «المتغيّر إمّا أن يكون جارياً أو واقفاً، فالجاري إنّما يطهر بإكثار الماء المتدافع حتى يزول التغيير؛ لأنّ الحكم تابع للوصف فيزول بزواله، و لأنّ الطارئ لا يقبل النجاسة لجريانه، و المتغيّر مستهلك فيه فيطهر» [٣]. و هو ظاهر المدافعة؛ لاشتراطه الكرّية.
[١] تقدّم في ص ٧٨.
[٢] الروضة ١: ٣٢- ٣٣.
[٣] المنتهى ١: ٦٤.