جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٦ - زمان وجوب الغسل للصوم
..........
و ثانياً: بإمكان الفرق أيضاً بين ما علّق فيه نفس الوجوب كالاستطاعة بالنسبة للحجّ، و بين ما كان التعليق فيه لأداء المكلّف به مثل ما نحن فيه.
و ثالثاً- و هو الأوجه-: بالفرق بين المشروط بالوقت و غيره، باعتبار الاكتفاء بظنّ السلامة في الأوّل دون الثاني، و بالفهم العرفي و غيرهما، فتأمّل جيّداً. فإنّ التحقيق عدم الفرق بين الوقت و غيره ممّا يكون الوجوب مشروطاً.
نعم، الظاهر عدم اعتبار الوقت في الموقت في وجوبه و إنّما هو في صحّته، إلّا أن يدلّ دليل على ذلك، فالإيجاب فيه حينئذٍ مطلق قبل الوقت لا مشروط، فيكفي حينئذٍ في وجوب مقدّمته سيّما إذا كان سبقها عليه معتبراً في صحّته؛ ضرورة كونها حينئذٍ مقدّمة واجب مطلق، و إن كانت الصحّة معلّقة على الوقت، فإنّ ذلك لا يقتضي كون الوجوب فيه مشروطاً.
و حينئذٍ يتّجه الجواب الثاني لا الثالث، و به يفرّق بين المعلّق و المشروط.
و بعبارة اخرى: بين المقيّد و المطلق.
و [بعبارة] ثالثة: بين شرط الوجوب و تعليقه، و بين صحّة الواجب و المأمور به، و اللّٰه العالم.
فاتّضح لك بذلك كلّه وجه ما يندفع به ما ذكر سابقاً بحذافيره من غير حاجة إلى القول بالوجوب النفسي، و لا إسقاط وجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به، و لا إنكار مقدّمية الغسل للصوم.
نعم، يتّجه بناءً على ما ذكرنا عدم اختصاص الوجوب بآخر الوقت، كما هو ظاهر المصنّف و من تبعه؛ لعدم الدليل، بل لدليل العدم، و هو إطلاق ما دلّ على وجوب المقدّمات من الأمر بذي المقدّمة، بعد فرض العلم باشتراط تقدّمها من غير تقييد بوقت كسائر الواجبات المطلقة. لكنّها تتضيّق في آخر الليل لمكان انتهاء وقت وجوبها. و لا ينافي ذلك القول بوجوبها للغير؛ إذ المراد أنّ العلّة في وجوبها الغير و لو تقدّمت عليه.
بل تسرّى العلّامة الطباطبائي (رحمه الله) حتى قال: «إنّه لو لا النصّ و الإجماع على تأخير وجوب هذا الغسل عن وقت الصلاة لأمكن القول بمثله هنا أيضاً، فإنّ الصلاة في أوّل الوقت متّصفة بالوجوب الموسّع، و هي موقوفة على الطهارة قبل الوقت. لكن الدليل الشرعي أوجب صرف الوجوب إلى صورة مخصوصة، و هي ما إذا صادف المكلّف أوّل الوقت متطهّراً، فتكون الصلاة في أوّل الوقت واجباً مشروطاً.
و أمّا الغسل للصوم فحيث لم يمكن تأخيره إلى الوقت و لم يضرب له وقت في الشرع، وجب أن يكون وقته من حصول السبب و يتضيّق وجوبه في آخر الليل، كما هو الغالب، و ربّما تضيّق في غيره كما إذا علم عدم تمكّنه منه في الأخير» [١] انتهى.
و كيف كان، فقد صار حاصل هذا التخلّص:
أنّا نقول بوجوب غسل الجنابة للصوم بمجرّد حصول سبب الجنابة موسّعاً، و يتضيّق إذا بقي من الليل بمقدار زمانه، و أنّه لا مانع من وجوب المقدّمة قبل الوقت الذي هو شرط صحّة الفعل لا الوجوب، فهي حينئذٍ مقدّمة واجب مطلق لا مشروط، كما أنّه لا دليل على تخصيص الوجوب في الآخر.
[١] مصابيح الأحكام: ١٢٥.