جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٨ - زمان وجوب الغسل للصوم
..........
نعم، إنّ الذي له مدخلية في ذلك، إنّما هو حال مثل هذا الحال عند طلوع الفجر، و هو تارة يحصل بالبقاء و الاستمرار على ما حصل له من ذلك، و تارة يحصل بإيجاد غسل في وقت الضيق.
لا يقال: إنّ الغسل الأوّل حينئذٍ أحد فردي ما يحصل به مقدّمة الواجب، فيجب حينئذٍ تخييراً؛ إذ لا نشترط في المقدّمة انحصارها في فرد واحد؛ لأنّ المقدّمات لا زالت تتعدّد كأفراد الماهية بالنسبة للأمر بها.
لأنّا نقول:
أمّا أوّلًا: فبالمنع من استناد الحالة- التي قد ذكرنا أنّها هي المعتبرة في صحّة الصوم أي المقارنة للفجر- إلى الغسل السابق بناءً على عدم استغناء الباقي في بقائه عن [١] المؤثّر.
و أمّا ثانياً: فبعد التسليم بمنع التلازم بين اتّفاق حصول شرط الواجب به و بين وجوبه؛ إذ لا إشكال عندهم في حصول شرط الصلاة من الطهارة عن الخبث مثلًا بالتطهير قبل الوقت، و استمرار الطهارة إليه مع عدم صيرورة التطهير بذلك واجباً قبل الوقت، بل أقصاه أنّه سقط وجوب التطهّر بعد الوقت؛ لمكان حصول المقدّمة التي هي الطهارة كسقوطه بفعل الغير و المطر و نحوهما من الأشياء الغير المقدورة للمكلّف، و لا ينافي ذلك كلّه مقدّميّتها؛ إذ المقدّمة إنّما هو القدر المشترك بين المقدور و غيره، و هو الطهارة.
فلا مانع حينئذٍ أن يقال في المقام: إنّ المقدّمة- التي هي شرط في صحّة الصوم و هي الطهارة من الجنابة- مقارنة للفجر بالواجب من الغسل و هو الذي لا يزيد على مقدار زمان ذلك، و بالمندوب و هو الحاصل قبل ذلك على معنى سقوط الخطاب بها نحو من لم يجنب أصلًا، بل لعلّه كذلك قطعاً بناء على ما ذكرنا [من كون الوقت شرطاً في صحّة الصوم لا للوجوب]؛ إذ كيف يتصوّر وجوب الغسل لدفع جنابة لا مدخلية لها في صحّة الصوم؛ لما عرفت أنّ المانع من صحّته إنّما هو وصف الجنابة المتأخّر لا المتقدّم، ضرورة كون ذلك هو مفاد الخبر المزبور [٢] المقتضي فساد الصوم بالإصباح جنباً.
و من المعلوم أنّ الزمان تدريجي، فلا يتعقّل الخطاب وجوباً برفع هذا المانع قبل حصوله و صيرورته مانعاً.
فظهر لك من ذلك كلّه: أنّه لا وجه لدعوى وجوب الغسل للصوم قبل وقت الضيق، كما أنّه لا معنى لإنكاره فيه، بعد ما عرفت سابقاً من استفادته من الأمر بالصوم بعد ثبوت شرطية تقدّمه [الغسل] عليه، و أنّه لا مانع من وجوب المقدّمة قبل تحقّق وقت أداء ذي المقدّمة، و به ظهر وجه تخصيص المصنف و من تابعه بوقت الضيق.
و لعلّه يشير إلى بعض ما ذكرنا ما في كشف اللثام من تعليل ذلك: «بأنّه إنّما يجب له إذا وجب؛ و لذا لا يجب الوضوء للصلاة ما لم تجب، و لا يجب إلّا إذا دخل وقته، لكنّه لمّا اشترط الطهارة من أوّل يوم وجبت قبله، و لكن بلا فصل؛ إذ لا وجوب له و لا اشتراط به قبل ذلك» [٣].
[١] في نسخة: «إلى».
[٢] تقدّم في ص ٣١.
[٣] كشف اللثام ١: ١٣١.