تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٨٥ - أوضاع العرب الاجتماعية قبيل ظهور الإسلام
(١) يقول «توماس كارليل» في هذا الصدد: لقد اخرج اللّه العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور، و أحيى به منها امة خاملة لا يسمع لها صوت و لا يحسّ فيها حركة، حتى صار الخمول شهرة و الغموض نباهة و الضعة رفعة و الضعف قوة، و الشرارة حريقا، و شمل نوره الأنحاء و عمّ ضوؤه الأرجاء ما هو إلا قرن بعد إعلان هذا الدين حتى أصبح للعرب (المسلمين) قدم في الهند و اخرى في الاندلس [١].
و الى هذه الحقيقة يشير أيضا مؤلف تاريخ اللغات السامية الشهير «رينان» قائلا: «لا مكان لبلاد العرب في تاريخ العالم السياسيّ و الثقافي و الدينيّ قبل ذلك الانقلاب المفاجئ الخارق للعادة الذي صار به العرب أمّة فاتحة مبدعة و لم يكن لجزيرة العرب شأن في القرون الاولى من الميلاد، حين كانت غارقة في دياجير ما قبل التاريخ» [٢].
(٢) أجل إن هذه القبائل العربية الجاهلية المختلفة المتناحرة لم تكن تعيش أية حضارة، و لم تمتلك أية تعاليم و قوانين، و أنظمة و آداب قبل مجيء الإسلام، لقد كانت محرومة من جميع المقومات الاجتماعية التي توجب التقدم و الرقي، و لهذا لم يكن من المتوقع ابدا ان تصل إلى تلك الذرى الرفيعة من المجد و العظمة، و لا أن تنتقل من نمط الحياة القبلية الضيقة الى عالم الانسانية الواسع، و افق الحضارة الرحيب بمثل هذه السرعة التي وصلت إليه، و الزمن القصير الذي انتقلت فيه.
إنّ مثل الشعوب و الامم البشرية مثل المباني و العمارات تماما.
فكما أن البناء القوي الراسخ يحتاج الى موادّ إنشائية قوية معدّة باتقان و محضّرة باحكام حتى يستطيع البناء المصنوع من هذه الموادّ، و المؤسس بعناية و هندسة متقنة من الوقوف في وجه الأعاصير، و الأمطار الغزيرة كذلك يحتاج كيان كل امة رشيدة من الامم إلى اسس و قواعد محكمة (و هي الأصول و الآداب الكاملة، و الأخلاق الإنسانية العالية) لتستطيع من البقاء و التقدم.
[١] الخطط الاستعمارية لمكافحة الإسلام: ص ٣٨، و الإسلام العلم و الحديث: ص ٣٣.
[٢] حضارة العرب: ص ٨٧.