تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٦٧ - النزوع الى الخرافة و الاساطير في المجتمع الجاهلي
شعراءهم خصّصوا مساحات كبيرة في قصائدهم لامتداح الخمرة و وصفها و كانت الحانات مفتوحة في وجه الناس طيلة الوقت تستقبل الزبائن، و قد نصبت عليها رايات.
فها هو شاعرهم يقول:
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة--تروّي عظامي بعد موتى عروقها
و لا تدفنني في الفلاة فإنّني--أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها [١]
لقد بلغت معاقرة الخمر من الرواج في الحياة العربية الجاهلية بحيث اصبحت لفظة «التجارة» تعادل في عرفهم بيع الخمور، و الاتجار بها.
(١) و لقد كانت الأخلاق تفسر عند العرب الجاهلية بنحو آخر عجيب، فانهم مثلا كانوا يمدحون الشجاعة و المروءة و الغيرة، و لكنهم كانوا يقصدون من «الشجاعة» القدرة على الإغارة و سفك الدماء، و كثرة عدد القتلى في الحروب!! كما أن الغيرة كانت تعني عندهم وأد البنات حتى أن هذا العمل الوحشيّ كان يعدّ عندهم من أعلى مظاهر الغيرة، و كانوا يرون الوفاء و الوحدة في نصرة الحليف حقا أو باطلا، و هكذا فان اكثر القصص التي نقلت عن شجاعتهم و شغفهم بالحرية كانت الشجاعة و الشغف بالحرية فيها تتلخص و تتجسّد في الاغارة و الانتقام.
انهم كانوا يعشقون- في حياتهم- المرأة و الخمرة و الحرب ليس غير.
(٢)
النزوع الى الخرافة و الاساطير في المجتمع الجاهلي:
و لقد بيّن القرآن الكريم اهداف البعثة المحمّدية المقدسة بعبارات موجزة، و ممّا يلفت النظر- اكثر من أيّ شيء- ما ذكره تعالى في الكتاب العزيز حول أهم هذه الاهداف و الغايات العليا إذ قال: «وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» [٢].
[١] تفسير مفاتيح الغيب: ج ٢ ص ٢٦٢ طبعة مصر ١٣٠٥.
[٢] الأعراف: ١٥٧.