تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٦٢٠ - المدينة تهبّ لقدوم النبيّ
قائدهم ذلك الذي طال انتظارهم اياه، و اشتد تشوقهم إليه كائن عند ميلين من مدينتهم قد نزل في قبا اياما، و سيقدم إليهم و يدخل مدينتهم بعد ايام؟ و كم سيكون مبلغ ابتهاجهم، و أي ابتهاج ترى سيعم كل صغير و كبير؟
إنه حقا لأمر يعجز القلم عن بيانه، و يكل اللسان عن وصفه.
(١) و لقد كان لفتية الأنصار و شبابهم الضامئين إلى الاسلام الحنيف برنامج رائع و عظيم، فقد كانوا عمدوا بغية تطهير جوّ المدينة من ادران الوثنية الى كل صنم في المدينة كان يقدّس و يعبد فاحرقوه و كسّروه، و قد كان كل شريف في بيته صنم يمسحه و يطيّبه، و لكل بطن من الأوس و الخزرج صنم في بيت لجماعة يكرّمونه و يطيّبونه، و يجعلون عليه منديلا و يذبحون له [١].
و لا بأس في أن نذكر نموذجا من هذا العمل الجليل الذي قام به الانصار في التخلّص من الوثنية:
لما قدم من بايع من الأنصار في العقبة الثانية الى المدينة اظهروا الاسلام بها و في قومهم بقايا من شيوخ لهم على دين الشرك و عبادة الأوثان منهم «عمرو بن الجموح» و كان من سادات بني سلمة و شريفا من أشرافهم و كان ابنه «معاذ» بن عمرو قد شهد بيعة العقبة.
(٢) و كان عمرو هذا قد اتخذ في داره صنما من خشب يقال له: مناة، كما كانت الاشراف يصنعون، تتخذه إلها تعظّمه و تطهّره، فلما أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل، و ابنه معاذ بن عمرو بن الجموح كانوا يتسلّلون في الليل إلى صنم عمرو بن الجموح فيحملونه و يطرحونه في بعض حفر بني سلمة و مزابلها، و فيها فضلات الناس و عذرها منكّسا على رأسه!!
فاذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة؟
ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله و طهّره و طيّبه. ثم قال للصنم: أما و اللّه لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينّه!
[١] بحار الأنوار: ج ١٩ ص ١٠٧.