تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٦٠٥ - لما ذا أصبح العام الهجري مبدأ للتاريخ
(١)
لما ذا أصبح العام الهجري مبدأ للتاريخ:
إن الاسلام أكمل الشرائع السماوية قاطبة، و قد جاء الى البشرية بما تتضمنه بشريعة موسى و عيسى (عليهما السلام) و لكن بصورة أكمل و بصيغة تطابق و تتمشى مع جميع الظروف و الأوضاع.
و مع أن السيد المسيح (عليه السلام) و ميلاده المبارك يحظى بالاحترام عند المسلمين إلّا أنّ ميلاده (عليه السلام) لم يتخذ لديهم مبدأ للتاريخ، و التوقيت.
و كانت العرب قد جعلت عام الفيل [١] مبدأ لتاريخها، و كانت تقيس حوادثها و امورها إليه فترة من الزمن، و مع أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان قد ولد في ذلك العام نفسه، إلّا أن المسلمين لم يتخذوه مع ذلك مبدأ للتاريخ، لأنه لم يكن ينطوي على ما يتصل بقضية الإيمان و الاسلام
و لاجل هذا أيضا لم يتخذوا عام البعثة مبدأ لتاريخ المسلمين أيضا لأن عدد المسلمين لم يكن يتجاوز في ذلك اليوم ثلاثة أشخاص، إذن فلم يكن في اي واحد من تلك الحوادث ما يعطي مبررا قويا لاتخاذه مبدأ للتوقيت و التاريخ، إذ لا بد ان يكون ما يتخذ لذلك قضية مصيرة بالغة الأهمية.
و لكنه في السنة الاولى من الاعوام الهجرية حقق المسلمون انتصارا عظيما و باهرا، و قد اسست فيه حكومة مستقلة و تخلّص المسلمون من التشرذم و التبعثر، و تمركزت قواهم و عناصرهم في نقطة واحدة، و بيئة حرة لا أثر فيها للكبت و الاضطهاد، من هنا جعلوا ذلك العام (أي العام الذي تحققت فيه هجرة النبيّ العظيم) مبدأ لتاريخهم، و اخذوا يقيسون إليه- و حتى الآن- كل ما يحدث و يقع من خير و شر، لتحديد تاريخ وقوعه.
من هنا يكون قد مضى على عام هجرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من مكة الى المدينة الف و اربعمائة و تسعة اعوام.
[١] و هو العام الذي سيّر فيه أبرهة جيشا لهدم الكعبة تتقدمه الفيلة. راجع المحبّر: ص ٥- ٨.