تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٩١ - دعوة الأقربين
لا شيء يذكر.
بهذا التصوّر، و بهذه العقليّة واجهت زعامة «مكة» دعوة النبي في البداية، (١) و لهذا لم يقم زعماء قريش خلال هذه السنوات الثلاث بأيّ عمل عدائيّ ضدّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بل ظلّوا ينظرون إليه بنظر الاحترام، و يراعون معه قواعد الأدب و السلوك، و كان النبيّ هو أيضا لا يتعرض لأصنامهم و آلهتهم في هذه الأعوام الثلاثة بسوء و لا يتناولها بالنقد و الاعتراض بصورة علنية، بل كان مركّزا جهده على الاتصال الشخصي بذوي البصائر من الأشخاص و هدايتهم إلى دينه الحنيف.
و لكن منذ أن بدأ النبيّ دعوة الأقربين و أخذ ينتقد و ثنيّتهم، و يذكر أوثانهم بسوء و يعترض على تصرفاتهم الإنسانية أصبح حديث الألسن. و منذ ذلك اليوم أيضا بدأت يقظة قريش، و عرفوا أمر محمّد يختلف عن أمر «ورقة» و «اميّة» اختلافا بينا و ان المبين الدعوتين فرقا كبيرا، و لهذا بدأت المعارضة و المخالفة السرّية و العلنية، لدعوة النبيّ.
و قد بدأ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بكسر جدار الصمت بدعوة أقربائه إلى دينه ثم شرع بعد ذلك بدعوة الناس أجمعين.
(٢) على أنه ما من شك في أنّ الاصلاحات العميقة التي يراد لها ان تترك أثرا في جميع شئون الناس و كل مناحي حياتهم، و تغيّر مسير المجتمع تحتاج قبل أيّ شيء إلى قوتين:
١- قوة البيان، بأن يستطيع الداعية و المصلح بيان الحقائق التي جاء بها من أفكاره الخاصة، أو ما تلقّاه عن طريق آخر الى الناس باسلوب جذاب، يأسر القلوب، و يسحر العقول.
٢- القوة الدفاعية التي يستطيع تشكيل خطّ دفاعي منها عند التعرض لهجوم الأعداء و الخصوم، و في غير هذه الصورة ستنطفئ شعلة الدعوة و يفشل المصلح في خطاه الاولى.
(٣) و لقد كان البيان لدى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في أعلى مرتبة من