تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٩٠ - دعوة الأقربين
منتصف الطريق إلّا بتحمل خسائر كبرى فادحة.
(١) هذا مضافا إلى أن أنفسكم كأنها قد عجنت بالعجلة و لذلك تودّون قطف ثمار جهودكم و نتيجة عملكم في الحال دون ما صبر و ترقّب و انتظار، و هذه هي بنفسها طريقة تفكير اجتماعيّة خاطئة، من شأنها أن تجعل الإنسان أمام طرق مسدودة كثيرة و غريبة.
هذا ما قاله ذلك الغربيّ.
و لكن الذي نتصوره و نعتقده نحن هو: أن هذه الطريقة من التفكير لا ترتبط لا بالشرق و لا بالغرب، بل هي ميزة العقلاء الاذكياء من الناس، فانهم يعتمدون هذا الاسلوب لانجاح مهامّهم، و تحقيق مقاصدهم.
و لقد اتبع قائد الإسلام الاكبر الرسول الاعظم (صلّى اللّه عليه و آله) هذه الطريقة في عمله الرسالي فركّز جهده على الدعوة السرّيّة إلى دينه مدة ثلاثة أعوام من دون تعجّل، و كان يعرض دينه على كل من وجده أهلا للدعوة، و مستعدّا من الناحية الفكرية للتبليغ.
فرغم أنّه كان يهدف الى تشكيل دولة عالمية كبرى ينضوي تحت لوائها (لواء التوحيد) جميع أفراد البشرية، إلّا أنه لم يعمد إلى الدعوة العامة طيلة هذه الأعوام الثلاثة، بل لم يوجّه الدعوة الخاصة حتى إلى أقاربه، إنّما اكتفى بالاتصال الشخصي بمن وجده مؤهلا و صالحا للدعوة، و مستعدّا لقبول الدّين، حتى انّه استطاع في هذه الأعوام الثلاثة أن يكسب فريقا من الأتباع من الذين اهتدوا إلى دينه و قبلوا دعوته.
(٢) و قد كان زعماء قريش- كما اسلفنا- منهمكين طوال هذه الأعوام الثلاثة في اللذّة و الهوى و كان فرعون «مكة» و طاغيتها: «أبو سفيان» و جماعته كلما سمعوا بالدّعوة اطلقوا ضحكة استهزاء و قالوا لانفسهم: إنّها أيّام و تنطفئ بعدها شعلة الدعوة هذه فورا تماما كما انطفأت من قبل دعوة «ورقة» و «اميّة» (اللّذين أخذا يحبّذان الى العرب التوجه نحو المسيحية و نبذ الوثنية بعد أن قرءا الانجيل و التوراة) و بالتالي لن يمرّ زمان حتى ينسى هذا الأمر، و يغدو خبرا بعد أثر، بل