تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٨١ - إختلاف المؤرخين في مسألة «انقطاع الوحي»
و المواصفات المعينة لم يمنح له ذلك المنصب قط. و تقع العصمة و السكينة القلبية، و الاعتماد و التوكل في طليعة هذه الخصال و المواصفات، و مع هذه الأوصاف و الخصال يستحيل أن يدور في خلده مثل تلك التصورات الخاطئة.
و لقد قال العلماء: إن المسيرة التكاملية عند الأنبياء تبدأ من فترة الطفولة و الصبا، فان الغشاوات و الحجب تبدأ تتساقط و تنقشع الواحدة تلو الاخرى منذ ذلك الوقت، و يستمر ذلك حتى تصل الاحاطة العلمية لديهم حدّ الكمال فلا يشكّون في شيء يرونه أو يسمعونه أبدا، و من حاز هذه المراتب لا يمكن أن يتطرق الشك و الحيرة و التردّد الى قلبه و عقله مطلقا.
(١) إنّ آيات سورة «الضحى» و خاصة عبارة «ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى» تفيد فقط بأن هناك من قال مثل هذه العبارة للنبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، و أمّا من هو قائلها؟ و كم تركت هذه العبارة من تأثير في نفسية النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و روحيته فهي ساكتة عن كل ذلك؟
و ذهب بعض المفسّرين إلى أن قائلها هم بعض المشركين، و لهذا الاحتمال لا تكون جميع الآيات مرتبطة ببدء الوحي، لأنه لا أحد غير «علي» و «خديجة» كان يعرف في بدء البعثة بنزول الوحي، ليتسنّى له أن يعترض على رسول اللّه، و يعيّره بانقطاع عنه بعد ذلك، فإن أمر المبعث و الرسالة- كما سنقول ذلك فيما بعد- بقي خافيا على أكثر المشركين لمدة ثلاثة اعوام تماما، فهو لم يكن مكلّفا بابلاغ رسالته إلى عامة الناس، إلى أن نزل قوله تعالى: «فاصدع بما تؤمر» الذي أمره اللّه فيه بالجهر بأمر رسالته لعامة الناس بلا استثناء.
(٢)
إختلاف المؤرخين في مسألة «انقطاع الوحي»:
لم يرد في القرآن الكريم أي ذكر مطلقا لمسألة (انقطاع الوحي) بل لم ترد به إشارة أيضا، إنما نلاحظها في كتب السيرة و التفسير فقط، و يختلف كتّاب السيرة و المؤرّخون في علة (انقطاع الوحي) هذا، و مدته اختلافا كبيرا يجعلنا لا نعتمد على أي واحد منها، و ها نحن نشير إليها بشكل ما: