تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٣٥ - قنوات المعرفة الثلاث
الحس و التعقل.
إنه نوع جديد من المعرفة و نمط متميّز من إدراك الحقائق، ليس محالا من وجهة نظر العلم و ان كان يصعب على أصحاب الاتجاه المادّي القبول به لكونه طريقا غير حسي و لا تعقّلي.
و أما من جهة الأصول العلمية فلا مجال لإنكاره، و لا مبرّر لعدّه من المحالات.
(١) إن طريق التعرّف على حقائق الكون الخارج عن الذهن- في منهج الماديّين، و أصحاب النزعة المادية- ينحصر في قناتين لا أكثر، و هما اللّذان سبق ذكرهما، في حين أنّ هناك- حسب نظرة الأديان و الشرائع الكبرى و حسب نظرة الفلاسفة و العرفاء الالهيين- قناة ثالثة أيضا.
بل إنّ هذا الطريق الثالث- كما أسلفنا في مسألة الوحي- أكثر واقعية، و أقوى أسسا، و أوسع آفاقا عند من يدّعون الرسالة، و النبوة من جانب اللّه سبحانه، و إن نفوس اولئك الأشخاص لتبدو أكثر صفاء و طراوة بفضل هذا الطريق، و في ضوء هذه القناة.
(٢) و كلّما حصل ارتباط بين اللّه، و بين فرد من أفراد النوع الإنساني على نحو خاص القيت الحقائق في وجوده من دون توسط الحواس الظاهرية، و إعمال الفكر، و استخدام جهاز العقل.
و هذا النوع من الإلقاء يسمى حينا بالالهام، و بالاشراق حينا آخر.
و لكن كلما نتج من ارتباط الإنسان بما وراء الطبيعة سلسلة من التعاليم العامّة و الأنظمة و البرامج الشاملة اطلق على هذا النوع من الإلقاء عنوان (الوحي)، و سمّي الآتي بها (ملك الوحي) و الآخذ لها (نبيّا).
هذا و قد يوجب الإلهام الثقة و الاطمئنان للملهم إليه، و لكنّه لا يمكن أن يكون مبعث الاطمئنان و الثقة عند الآخرين [١].
[١] و انما قلنا «قد» أي يمكن أن يوجب الاطمئنان و لم نقطع بذلك لأنّ مصدر هذه الالهامات.