تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٢٧ - أبرز النظريات المادية لظاهرة الوحي
صالحين، اهتدوا بفعل نبوغهم الفكري الرفيع الى أفكار و قيم رفيعة و دعوا مجتمعاتهم إلى الأخذ بها، و السير على هديها، لتحقيق الخير و العدالة، فكان لهم بذلك اكبر نصيب في إرشاد البشرية الى سعادتها، فكل ما طرحوه من أفكار، و كل ما عرضوه على تلك المجتمعات باسم الدين او القانون ليست- في الحقيقة- سوى نتيجة ما تمتعوا به من نبوغ، و فكر خارق، و لا علاقة له بعالم آخر غير هذا العالم المادي المألوف.
و قالوا: و ان ممّا يساعد على تقوية هذا النبوغ امور ابرزها:
الحبّ، التعرض للظلم الطويل، الطفولة و ما يكتنفها من ضعف و عجز، الوحدة، السكوت، التربية الاولى، و العيش في صورة الأقلية و ما يرافقها من ظروف اجتماعية غير مؤاتية.
فان جميع هذه الامور أو بعضها تدفع بالشخص الى الانطوائية، و التفكير و التأمل، للاهتداء الى مخرج من المشاكل و الصعوبات، و مخلص من الظروف الصعبة، و الأحوال الشاقة.
و يجاب على هذه النظرية بأن أصحاب هذه النظرية حكموا على هذه القضية على أساس موقف اتخذوه سلفا فهم حصروا الأشياء في المادة و الامور المادية ثم فسّروا ما يرتبط بعالم الغيب بذلك، فجاء تفسيرهم لهذه الظاهرة الغيبية تفسيرا ماديّا، غفلة منهم عن ان مثل هذا التفسير و التعليل لا يليق بظاهرة (الوحي) التي تجسد أعلى قضيّة في سلّم الحقائق العلمية و الفلسفية، و يرجع إليها أعظم القوانين و البرامج للسعادة البشرية.
نحن لا ننكر أن لما ذكروه من العوامل تأثيرا في تقوية عملية «التفكير» لدى الانسان إلى درجة ايجاد ما يسمى بظاهرة النبوغ لديه، إلّا أنه لا يمكن أن يوجد مثل هذا الأمر نبيّا خضعت جميع النوابغ البشرية لعظمة تعاليمه التي أتى بها طوال أربعة عشر قرنا.
نبيا لم تزل ما جاء به من معارف عقلية و فلسفية، و قوانين ترتبط بعالم الطبيعة و بالنظام الاجتماعي و آداب السلوك تحافظ على قوتها، و عمقها و أصالتها و لمعانها