تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣١٥ - ١١ بدء الوحي
(١) و لكن هل تكفي هذه الهداية الفطرية، التكوينية لكائن مثل الإنسان، اشرف الموجودات، و افضل ما في هذه الخليقة؟! بكل تأكيد: لا.
لأن للإنسان حياة اخرى غير الحياة المادية، تشكل اساس حياته الواقعية، و لو كان للإنسان حياة مادية جافّة فقط مثلما لعالم النباتات، و الحيوانات، لكفت العوامل و العناصر المادية في تكامله، و الحال أن للإنسان نوعين من الحياة، يكمن في تكاملهما معا رمز سعادة الإنسان و رقيّه.
ان الإنسان الأول، و نعني به انسان الكهوف و الحياة البسيطة و الفطرة السليمة التي لم يطرأ على جبلته اي اعوجاج لم يكن بحاجة إلى ما يحتاج إليه الإنسان الاجتماعيّ من التربية و الهداية.
(٢) و لكن عند ما خطى الإنسان خطوان أبعد من ذلك، و بدأ الحياة الاجتماعية، و سادت على حياته فكرة التعاون و العمل الجماعي برزت في روحه و نفسيته سلسلة من الانحرافات نتيجة للاحتكاك الاجتماعي، و غيّرت الخصال القبيحة و الافكار الخاطئة صفاته الفطرية، و بالتالي اخرج المجتمع من حالة التوازن!
إن هذه الانحرافات حملت خالق الكون على أن يرسل إلى البشرية رجالا أفذاذا صالحين يتولّون تربية البشر، و ليقوموا بتنظيم برنامج المجتمع، و التخفيف من المفاسد الناشئة- بصورة مباشرة- عن النزعة الاجتماعية لدى الإنسان، و ليضيئوا- بمشاعل الوحي المشعّة المنيرة- طريق السعادة و الخير للانسانية في جميع المجالات و الابعاد.
إذ لا نقاش في أنّ الحياة الاجتماعية و العيش بصورة جماعية مع كونه مفيدا، ينطوي على مفاسد لا تنكر، و يجرّ إلى انحرافات كثيرة لا تقبل الترديد.
(٣) و لهذا بعث اللّه سبحانه رجالا مصلحين، و هداة مرشدين يعملون- قدر الامكان- على الحدّ من الانحرافات و المفاسد، و يضعون عجلة المجتمع- بتنظيم القوانين الواضحة و الانظمة الحكيمة- على الطريق الصحيح، و يضمنون دورانها