تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣١١ - الآية الخامسة لو لم يشأ ما تلوته
اقترح المشركون على النبي أحد الأمرين:
١- الإتيان بقرآن غير هذا مع التحفظ على فصاحته و بلاغته.
٢- تبديل بعض آياته مما فيه سبّ لآلهتهم و تنديد بعبادتهم للاوثان و الاصنام.
فأجاب عن الثاني في نفس الآية بان التبديل عصيان للّه، و انه يخاف من مخالفة ربه، و لا محيص له إلّا إتباع الوحي من دون أن يزيد فيه او بنقص عنه.
و اجاب عن الأول في الآية المبحوث عنها بان ذلك أمر غير ممكن لأن القرآن ليس من صنعي و كلامي حتى أذهب به و آتي بآخر، بل هو كلام اللّه سبحانه و قد تعلقت مشيئته بتلاوتي، و لو لم يشأ لما تلوته عليكم و لا ادراكم به، و الدليل على ذلك أني كنت لابثا فيكم عمرا من قبل فما تكلمات بسورة أو بآية من آياته، و لو كان القرآن كلامي لبادرت إلى التكلم به، أيام معاشرتي السابقة معكم في المدة الطويلة، المديدة.
قال العلامة الطباطبائي في تفسير الآية: إن الأمر فيه إلى مشيئة اللّه لا إلى مشيئتي، فانما أنا رسول و لو شاء اللّه ان ينزل قرآنا غير هذا لأنزل، أو لم يشأ تلاوة هذا القرآن ما تلوته عليكم، و لا أدراكم به فاني مكثت عمرا من قبل نزوله، و لو كان ذلك إليّ و بيدي لبادرت إليه قبل ذلك و بدت من ذلك آثار و لاحت لوائحه [١].
فكيف يمكن و الحال هذه أن يكون مجانبا للإيمان باللّه و توحيده، لاهيا عن عبادته و تقديسه.
هذا و في هذا المجال حديث واسع اكتفينا منه بهذا القدر، و من أراد التوسع أن يراجع الجزء الخامس من مفاهيم القرآن ص ١٣٥- ١٩١.
و أما الكلام في الجهة الثانية و هي: أنه بما ذا و بأيّ دين كان يتعبّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبل البعثة، فقد وقع ذلك محطا للبحث بين العلماء، و حيث انه لا ينطوي على فائدة كبرى، بعد أن تبين أنه كان قبل البعثة
[١] الميزان: ج ١٠ ص ٢٦، و لاحظ المنار: ج ١١ ص ٣٢٠.