تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٠٣ - الآية الثالثة عدم علمه بالكتاب و الايمان
يشهد على انه (صلّى اللّه عليه و آله) كان منذ بداية عمره إلى أن لاقى ربه مؤمنا موحدا و ذلك امر لا شك فيه، و لا شبهة تعتريه، و قد اجمع على ذلك أهل السير و التاريخ، و حتى أن الاحبار و الرهبان كانوا معترفين بانه نبي هذا الامة، و خاتم النبيين، و كان يسمع تلك الشهادات منهم في فترات خاصة في «مكة» و «يثرب» و «بصرى» و «الشام» [١] و غيرها، فكيف و الحال هذه يمكن ان يكون غافلا عن الكتاب الذي ينزل إليه، أو يكون مجانبا للإيمان بوجوده سبحانه، و توحيده، و التاريخ المسلّم الصحيح يؤكّد على عدم صدق ذلك الاستظهار من الآية الحاضرة.
فلا بدّ إذن من الإمعان في مفاد الآية كما لا بدّ- في تفسيرها- من الاستعانة بالآيات الواردة في ذلك المساق.
بعث النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) لهداية قومه أوّلا، و هداية جميع الناس ثانيا، بالآيات و البيّنات، و نخصّ بالذكر منها: القرآن الكريم (معجزته الكبرى الخالدة) الذي بفصاحته أخرس فرسان الفصاحة، و قادة الخطابة، و ببلاغته قهر ارباب البلاغة و ملوك البيان، و خلب عقولهم، و قد دعاهم الى التحدي و المقابلة، فلم يكن الجواب منهم إلّا اثارة الشكوك و التهم حوله، و حول ما جاء به، و عدم المعارضة بمثل القرآن قط.
فتارة قالوا: بانه يعلّمه بشر، و اخرى بأنه إفك افتراه، و اعانه عليه قوم آخرون و ثالثة: بأنه أساطير الاوّلين، قد اكتتبها فهي تملى عليه بكرة و أصيلا، قال سبحانه ردا على هذه التهم التي أشرنا إليها: «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ. وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ» [٢].
و قال سبحانه: «وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ
[١] راجع السيرة النبوية و السيرة الحلبية و بحار الأنوار.
[٢] النحل: ١٠٢ و ١٠٣.