تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٨٤ - نموذج آخر عن ضعف قريش
غضب من الآلهة، اطمأنوا إلى أنه لم يرتكب قبيحا، و أنه عمل ما فيه رضى آلهتهم، فاقدموا جميعا على هدم ما تبقى من الكعبة، و اتفق أن تحطّمت سفينة قادمة من «مصر» في تجارة لروميّ عند ميناء «جدة» بفعل الرياح و العواصف، فعلمت بذلك قريش، و أرسلت رجالا يبتاعون أخشابها ليستخدموها في بناء الكعبة المعظمة، و أوكلوا أمر نجارتها إلى نجّار قبطيّ محترف كان يقطن «مكة».
(١) و لما ارتفعت جدران الكعبة إلى قامة الرجل، و آن الأوان لوضع الحجر الأسود في محله من الركن وقع الاختلاف بين زعماء قريش، و تنازعوا في من يتولّى وضع الحجر الاسود في مكانه.
و تحالفت قبيلة «بني عبد الدار» مع «بني عديّ» على أن يمنعوا من أن ينال هذا الفخار غيرهم، و عمدوا إلى اناء مملوء بالدم فوضعوا أيديهم فيه تأكيدا لذلك الميثاق.
من هنا تأخرت عملية البناء و توقّفت خمسة أيام بلياليها، و كاد أن تنشب بينهم حرب دامية، و ربما طويلة، فقد اجتمعت طوائف مختلفة من قريش في المسجد الحرام و هي تنتظر حادثة خطيرة، فعمد- في الأخير- شيخ من شيوخ قريش يدعى «أبو اميّة بن مغيرة المخزومي» من زعماء قريش و قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد [١] يقضي بينكم فيه» فقبلوا برأيه اجمع، فكان اول داخل عليه فتى قريش «محمّد» (صلّى اللّه عليه و آله) فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمّد.
(٢) فقال (صلّى اللّه عليه و آله): هلم إليّ ثوبا، فأخذ الحجر و وضعه فيه ثم قال:
«لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا»
ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه من الركن وضعه (صلّى اللّه عليه و آله) هو بيده مكانه، و بهذا حال دون وقوع حوادث دامية كادت أن تقع بسبب تنازع قريش، و اختلافها، و حلّ الوفاق محل الشقاق بعد أن رضي الكل بحكمه.
[١] و في رواية: أول من يدخل باب الصفا.